الرتب وبلوغ هاتيك المنزلة ، بأن يجيء المادح أيّاً كان ، فيقول للملك : أنت شجاع كريم باسل ملك عظيم عادل ، ثمّ لا يدع شيئاً من نعوت الثناء والإطراء إلّا ويتلوها عليه ليحتقب الأُلوف ويحتقر الصروف .
كلّا ، ليس الشأن بذلك ، وإنّما بلغ البالغون تلك المراقي والمراتب بما حووه من البلاغة وحسن البيان وبديع الخطابة ولطائف الأساليب .
فكانت المُدّاح - بحسن البيان - تهزّ الملوك هزّ الكماة « 1 » عوالي المرّان « 2 » ، ويبعثونهم - بحسن الأساليب - إلى الجود والندى ، فينتفضون للعطاء كما انتفض العصفور بلّله الندى « 3 » ، ويستلبون منهم أعزّ الأشياء عليهم وأحبّها إليهم .
قل لي بأبيك ، أيّ عربي - ولو كانت يده من صخر وقلبه من حجر - يسمع فيه قول القائل :
من البيض الوجوه بني سنان * لو أنَّك تستضيء بهم أضاؤا
هم حلّوا من الشرفِ المعلّى * ومن شرف العشيرةِ حيث شاؤوا
فلو أنّ السماءَ دنت لمجدٍ * ومكرمةٍ دنت لهمُ السماءُ « 4 »
من ذا يسمعها في مدحه ، ولا تتدفّق يده ويتشقّق للعطاء قلبه وتتفجّر بالجود أنامله ؟ !
هامش
( 1 ) الكمي : الشجاع المتكمّي في سلاحه ، أي : المستتر بالدرع والبيضة . ( صحاح اللغة 6 : 2477 ) .
( 2 ) المرّان : الرماح . ( المصدر السابق 6 : 2203 ) .
( 3 ) إشارة للبيت :وإنّي لتعروني لذكراكِ نفضةٌ * كما انتفض العصفورُ بلّله القطرُراجع ديوان مجنون ليلى 83 .
( 4 ) نُسب هذه الأبيات لأبي البرج القاسم بن حنبل المرّي في ديوان الحماسة 2 : 304 - 305 . ولم تُنسب لأحد في مفتاح العلوم 271 - 272 .