مضماره غير محجور بينه وبين غاياته ، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه فخرج جامحاً ، وإن شاء قدع لجامه فوقف جانحاً ، لا يحصره أمد دون أمد ، ولا يقف به حدّ دون حدٍّ ، فلا تكون الزيادات الواقعة فيه إلّاعيّاً واستراحةً وتغوّثاً وإلاحةً .
وهذه منزلة يترفّع عنها كلام اللَّه ( سبحانه ) الذي هو المتعذّر المعوز والممتنع المعجز ، وكلّ كلام إنّما هو مصلٍّ خلف سبقه وقاصر عن أدنى بلوغ غاياته .
بل قد يرتفع عن بلوغ هذه المنزلة كلام الفصحاء المقدّمين والبلغاء المحذقين ، فضلًا عمّا هو أعلى طبقات الكلام وأبعد عن مقدورات الأنام .
وإنّي لأقول أبداً : إنّه لو كان كلامٌ يلحق بغباره أو يجري في مضماره بعد كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لكان ذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام ؛ إذ كان منفرداً بطريقة الفصاحة ، لا تزاحمه عليها المناكب ، ولا يلحق بعقوه « 1 » فيها الكادح الجاهد .
ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك فلينعم النظر في كتابنا الذي ألّفناه ووسمناه : بنهج البلاغة ، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع الأنحاء والأغراض والأجناس والأنواع من خطب وكتب ومواعظ وحكم ، وبوّبناه أبواباً ثلاثة تشتمل على هذه الأقسام مميّزة مفصّلة .
وقد عظم الانتفاع به ، وكثر الطالبون له ؛ لعظيم قدر ما ضمنه من عجائب الفصاحة وبدائعها ، وشرائف الكلم ونفائسها ، وجواهر الفقر وفرائدها .
وكلامه عليه السلام - مع ما ذكرنا من علو طبقته وخلو طريقه وانفراد طريقته - فإنّه إذا حوّل ليلحق غاية من أدنى غايات القرآن وُجد ناكصاً متقاعساً ومُقهقراً راجعاً
هامش
( 1 ) بعقوه ، أي : بساحته ، أو : بأخذه في شُعب الكلام . ( لسان العرب 9 : 334 ) .