إذ الدواعي متوفّرة على نقله أشدّ الوفور متوجّهة إلى إذاعته ونشره من ذلك اليوم إلى يوم النشور .
فإنّه ( صلوات اللَّه عليه ) قد زاحم جميع ملوك الأرض واستطالت دعوته في الطول والعرض ، وناطحت كباش كتائبه جميع الأُمم من العرب والعجم ، وكاسر ( كسرى ) و ( قيصر ) وبلغ بريد محبّراته البرّ والبحر ، وانتصر باللَّه على اليهود والنصارى وحلّق نسر قهره حتّى اصطاد الصقور والحبارى « 1 » .
وهو ( حفظ اللَّه شريعته وأعلى كلمته ) في جميع ذلك يدعو إلى كتابه ويتحدّى بمعجز خطابه .
فلو نوقض أو عورض لخفّت مؤونته ولهانت بلواه ، ولبطلت - وحاشا ساحته المقدّسة - دعواه .
ثمّ لم تزل تلك المعجزة الباهرة والآية القاهرة باقية على مرّ الدهور وخوالي الأعوام ومواضي الحقب والأيّام ، لا تزداد على طول المدّة إلّاجدّة وعلى شدائد الجاحدين والمنكرين إلّاشدّة ، ولا يزيدها التكرار والاستملاء إلّا حسناً وبهاءً ، وما تصدّى في الأزمنة المتأخّرة عن زمان نزوله لمعارضته إلّا مأفون الرأي مائق العقل « 2 » .
حتّى إنّ من الأعاجيب - وأيّ شيء منه ( تقدّست آياته ) ليس بعجيب ! - أنّك ترى الرجل في جميع المقامات من النظم والنثر والخِطب كخطيبٍ مصقع فارساً في كلّ حلبة ولدى كلّ موضع ، فإذا تصدّى - من أجل ضعفٍ في دينه أو
هامش
( 1 ) الحُبَارى : طائر معروف طويل العنق رمادي اللون في منقاره بعض طول . ( حياة الحيوان للدميري 1 : 321 ) .
( 2 ) المأفون : الضعيف الرأي والعقل . ( القاموس المحيط 4 : 198 ) .
والموق : الحمق في غباوة ، يقال : أحمق مائق . ( المصدر السابق 3 : 294 ) .