مكانه ، وأقمتُ معي منهم من يمنع عنّي ازدحام النّاس ، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم ، فأقبل غُلامٌ أسمرُ اللّون حسنُ الوجه ، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنّه لم يزُل عنه ، وعَلَت لذلك الأصوات ، وانصرف خارجاً من الباب ، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع النّاس عنّي يميناً وشمالًا حتّى ظُنّ بي الاختلاطُ في العقل ، والنّاس يفرّجون ( لي ) « 1 » وعيني لاتُفارقه حتّى انقطع عنّي النّاس ، وكنت اسرع الشدّ « 2 » خلفه ، وهو يمشي على تُؤَدَةٍ « 3 » ولا ادركه ، فلمّا حصل بحيث لا يراه أحد غيري وقف والتفت إلَيّ فقال : « هاتِ ما معك » . فناولتُه الرُقعَةَ فقال من غير أن ينظر فيها : « قُل له : لا خوف عليك في هذه العلّة ، ويكون ما لابدّ منه بعد ثلاثين سنة » .
قال : فوقع علَيّ الزَمَع « 4 » حتّى لم أطق حِرّاكاً وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة ، فلمّا كانت سنة سبع وستّين « 5 » اعتلّ أبو القاسم ، فأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، وكتب وصيّته واستعمل الجِدّ في ذلك ، فقيل له : ما هذا الخوف ، ونرجو أن يتفضّل اللَّه بالسلامة ، فما عليك مخوفة ؟ فقال : هذه السنة الّتي وُعِدتُ وخُوِّفتُ بها « 6 » . فمات في علّته « 7 » .
ومنها : ما روي عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن عيسى بن شح « 8 » قال : دخل الحسن ( بن عليّ ) « 9 » العسكري علينا الحبس وكنت به عارفاً ، فقال لي :
« لك خمس وستّون سنة وشهر ويومان » . وكان معي كتابُ دُعاءٍ عليه تاريخ
هامش
( 1 ) من ك والمصدر .
( 2 ) في ك : « المشي » ، وفي المصدر : « السير » .
( 3 ) أي على التأنّي والتمهّل .
( 4 ) الزَمَع : الدهش والخوف .
( 5 ) وعلى ما قدّمناه يكون وفاته سنة ( 369 ه ) كما ذهب إليه العلّامة الحّلي في الخلاصة : 31 / 6 ، هذا ، وذهب الشيخ الطوسي في رجاله : 458 / 5 إلى أنّه توفّي سنة ( 368 ه ) .
( 6 ) في ك : « منها » ، وفي المصدر : « فيها » .
( 7 ) الخرائج : 1 : 475 / 18 ، وعنه في فرج المهموم : ص 254 .
( 8 ) في ق ، م : « سح » ، وفي المصدر : « صبيح » .
( 9 ) من ن ، خ .