بيننا وبين الماء فرسخان ، وما هنا منه شئ ، وإنّما يجلب لي من بُعد ، وأستعمله على التقتير ، ولولا ذلك لمتّ عطشاناً .
فقال أمير المؤمنين : « اسمعوا ما يقول الراهب » .
فقالوا : تأمرنا أن نسير إلى حيث أومأ إلينا ، لعلّنا ندرك الماء وبنا قوّة ؟
فقال عليه السلام : « لا حاجة بكم إلى ذلك » . ولوى عنق بغلته نحو القبلة وأشار إلى مكان بقرب الدير أن اكشفوه ، فكشفوه فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي .
فقال « هذه الصخرة على الماء ، فاجتهدوا في قلعها ، فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء » .
فاجتمع القوم وراموا تحريكها ، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا واستصعبت عليهم ، فلمّا رأى ذلك لوى رجله عن سرجه ثمّ حسر عن ساعده ، ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها وقلعها بيده ، ودحا بها أذرعاً كثيرة ، فظهر لهم الماء ، فبادروه وشربوا ، وكان أعذب ماء شربوه في سفرهم ، وأبرده وأصفاه ، فقال : « تزوّدوا وارتووا » . ففعلوا ، ثمّ جاء إلى الصخرة ، فتناولها بيده ووضعها حيث كانت ، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب ، والراهب ينظر من فوق ديره ، فنادى : يا قوم ، أنزلوني . فأنزلوه ، فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : يا هذا ، أنت نبىّ مرسل ؟ قال : « لا » .
قال : فملك مقرّب ؟ قال : « لا » .
قال : فمن أنت ؟ قال : « أنا وصيّ رسول اللَّه محمّد بن عبد اللَّه خاتم النبيّين » .
قال : ابسط يدك أسلم على يدك .
فبسط أمير المؤمنين يده وقال له : « اشهد الشهادتين » .
فقال : أشهد أن لا إله إلّااللَّه ، وأشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه ، وأشهد أنّك وصىّ رسول اللَّه ، وأحقّ الناس بالأمر من بعده .
فأخذ عليه شرائط الإسلام وقال له : « ما الّذي دعاك إلى الإسلام بعد
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي ) — صفحة 491
مساهمون: علي بن أبي الفتح الإربلي
ص٤٩١