تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وكذا قوله :
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
« 1 » فقد كانت الطيّبات محلّلة منذ يومها الأوّل . وهذا ليس إلّا لبيان أنّ الشرع إنّما يحلّل الطيّبات ويحرّم الخبائث . وفقا للفطرة والعقل السليم ،
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
« 2 » . أي يبيّن لهم أنّ هذا حلال في ذاته وذاك حرام . والذاتي قديم في أصله ، ونظير هذا كثير في القرآن من غير أن تكون لها ولا إشارة إلى سابق حكم كان يضادّه . نعم ، قد يأتي مثل هذا التعبير عند زعم الخلاف ، دفعا لتوهّم الحظر ، حسب مصطلحهم . ولعلّ منه قوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ
حيث العموم في الآية قبلها :
لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
ومن ثمّ جاء التفصيل هنا :
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ،
وهذا التفصيل تبيين لذلك الإجمال في ظاهر العموم . وهنا وفي مجال الصوم لعلّهم توهّموا الحظر ، فأخذوا بالاحتياط في الأمر . فجاءهم التنبيه على الترخيص ، وأن لا تكليف شاقّا في شريعة الإسلام . * * * وربما يشهد لصحّة هذا التأويل ، التعبير الوارد في الروايات : أنّ جماعة من المسلمين كانوا امتنعوا من الرفث والمآكل ليلا ولم يرد أنّهم كانوا منعوا من ذلك ثمّ أبيح لهم ! ؟ [ 2 / 5178 ] أخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنحّاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتّى يمسي ، وإنّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه ، فلمّا حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندك طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، فغلبته عينه فنام ، ولمّا جاءت امرأته ورأته نائما قالت : خيبة لك أنمت ! فلمّا انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنزلت هذه الآية :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ
إلى قوله :
مِنَ الْفَجْرِ
ففرحوا بها فرحا شديدا « 3 » .
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 5 . ( 2 ) الأعراف 7 : 157 . ( 3 ) الدرّ 1 : 475 ؛ البخاري 2 : 230 - 231 ؛ أبو داود 1 : 519 / 2314 ، باب 1 ؛ الترمذي 4 : 278 - 279 / 4048 ؛ -