نعم ذهب إليه أيضا بعض أصحابنا المتأخّرين كالفقيه البحراني « 1 » وصاحب الجواهر « 2 » وتلميذه المولى عليّ الكني « 3 » استنادا إلى ظواهر آيات وروايات حسبما يمرّ عليك .
وحيث كان أصل اختيار هذا المذهب للمعتزلة ، وهم سبقوا غيرهم في أصول الاستدلال عليه بما لم يتركوا لمن بعدهم شيئا يذكر ، كان من الواجب النظر فيما قالوه بالذات بهذا الصدد :
قال القاضي عبد الجبّار « 4 » - هو من أكابر شيوخ الاعتزال وأوسع من تكلّم في هذا المذهب وكتب فيه الكتب الموسعة - :
« فإن قيل : وما تلك الدلالة الشرعيّة الّتي دلّتكم على أنّ في المعاصي ما هو كبير وفيها ما هو صغير ، أفي كتاب اللّه تعالى أم في سنّة رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أم في اتّفاق الأمّة ؟
قيل له : أمّا اتّفاق الأمّة فظاهر على أنّ أفعال العباد تشتمل على الصغير والكبير . غير أنّا نتبرّك به ونتلو آيات فيها ذكر الصغير والكبير وما في معناه :
قال اللّه سبحانه وتعالى :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
« 5 »
وقال تعالى :
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
« 6 »
وقال :
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
« 7 »
فرتّب المعاصي هذا الترتيب ، بدأ بالكفر الّذي هو أعظم المعاصي . وثنّاه بالفسق ، وختم بالعصيان . فلا بدّ من أن يكون قد أراد به الصغائر ، وقد صرّح بذكر الكفر والفسق قبله .
وقال أيضا :
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
« 8 » . فلا بدّ من أن يكون المراد باللّمم الصغائر ، وإلّا كان لا يكون للاستثناء معنى وفائدة ، إذ المستثنى لا بدّ من أن يكون غير المستثنى منه .
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة 10 : 54 .
( 2 ) جواهر الكلام 13 : 305 .
( 3 ) كتاب القضاء : 276 .
( 4 ) استدعاه الوزير الصاحب بن عبّاد في دولة آل بويه إلى الرّي وولّاه قاضيا لقضاتها في سنة 367 ه . وشملت رئاسته القضاء في الرّي وقزوين وزنجان وقم ودماوند . ثمّ أضيف إليه قضاء جرجان وطبرستان . وقد كان موضع إعجاب الوزير العظيم الشأن .
( 5 ) الكهف 18 : 49 .
( 6 ) القمر 54 : 53 .
( 7 ) الحجرات 49 : 7 .
( 8 ) النجم 53 : 32 .