وأخيرا فإنّ أصول مذهبنا ترفض إمكان وجود سيّئة هي مغفورة من غير توبة ولا استغفار .
وإنّ كلّ محاولة في تفسير آية النساء بذلك هي محاولة فاشلة ومتنافية مع حكمته تعالى في التكليف !
إذ لولا كونها سيّئة في ذاتها ومشتملة على قبح واقعيّ ثابت ، لما نهى اللّه عنها ولا حرّمها ، فكيف يعلّق تحريمها على ارتكاب الكبائر ؛ إنّها على هذا التقدير غير محرّمة « 1 » ، فلا مانع شرعيّا من ارتكابها في هذا الظرف ، وإنّما المانع يختصّ بصورة ارتكاب الكبائر أيضا . وهذا غير معقول على أصول مذهبنا بضرورة وجود مصالح ومفاسد واقعيّة ثابتة كامنة وراء الأوامر والنواهي الشرعيّة « 2 » .
هامش
( 1 ) وإذا كانت غير محرّمة فنستكشف عدم مفسدة فيه ، فكيف أثّر ترك الكبائر في رفع المفسدة الواقعيّة الّتي كانت موجودة حال ارتكابها ؟
( 2 ) نظرا لأنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في الأحكام العقليّة . توضيحه : أنّ التكاليف الشرعيّة واقعة في سلسلة مترتّبة ترتّب العلل والمعاليل . تبتدي بمقتضيات التكليف ، وهي المصالح والمفاسد الواقعيّة ، ثمّ نفس التكليف ، وبعده الثواب والعقاب على الإطاعة والعصيان ، على الترتيب التالي :
1 - مصلحة واقعيّة ثابتة تستدعي تشريعا متناسبا إمّا إلزاميّا أو غير إلزاميّ .
2 - أحكام شرعيّة إلزاميّة وغير إلزاميّة متناسبة مع حجم المصلحة الواقعيّة .
3 - ثواب وعقاب مترتّبان على الإطاعة والعصيان .
فمن ثبوت العقاب نستكشف ثبوت التكليف بطريق « الإنّ » أي علما حاصلا من المعلول إلى العلّة .
ومن عدم العقاب نستكشف عدم التكليف ، لنفس السبب . قضيّة للتلازم .
وبالعكس نستكشف من التكليف ثبوت العقاب : ومن عدم التكليف عدم العقاب ، بطريق « اللّمّ » أي علما حاصلا من العلّة إلى المعلول .
وعلى ضوء هذا البيان يتبيّن استحالة التعليق في التكليف ، أي تعليق التكليف على أمر لا يرتبط بمصلحة الواقع ومفسدتها . كما في موضوع بحثنا الآن ، بالبيان التالي :
بناء على تفسير الآية بغفران السيّئات على تقدير اجتناب الكبائر ، يصبح ترتّب العقاب على سيّئة ثابتا على تقدير ارتكاب الكبائر ، وبالملازمة يستدعي كون النهي عنها أيضا معلّقا على الارتكاب المذكور ، وعليه فلا يرتبط التكليف بالمفسدة الواقعيّة الّتي شأنها الثبوت ، بل مرتبطا بارتكاب المكلّف للكبائر وعدمه . وهذا خروج عن مباني أصول مذهبنا في ارتباط التكاليف بالمصالح والمفاسد الواقعيّة الثابتة !