فإن صدقوا فيما يقولون إنّني * أتوب إلى الرحمن من سنتين « 1 »
الأمر الّذي ينكره الوجدان السليم ويرفضه دأب العقل الرشيد ، فضلا عن منافاته لمقام عدله تعالى وحكمته في التكليف والبعث والزجر والوعد والوعيد !
وفي حديث الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام مع أحد الصوفيّة دلالة واضحة على فساد هذا المذهب العاميّ :
[ 2 / 6220 ] قال عليه السّلام : « إنّ من اتّبع هواه وأعجب برأيه ، كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه ، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني . فتبعته يوما فمرّ بخبّاز فتغفّله وسرق منه رغيفين . ثمّ مرّ بصاحب رمّان فاختطف منه رمّانتين ، فتعجّبت وقلت في نفسي : ما حاجته إلى هذه السرقة ! ثمّ لم أزل أتّبعه حتّى مرّ بمريض فوضع الرغيفين والرمّانتين بين يديه !
قال الإمام عليه السّلام : فتعرّضت له وسألته عن صنيعه ذلك ؟ فقال : لعلّك جعفر بن محمّد ! قلت : بلى .
فقال : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك ! قلت : وما الّذي جهلت منه ؟ قال : قول اللّه - عزّ وجلّ - :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
« 2 » ؛ وإنّي لمّا سرقت الرغيفين كانتا سيّئتين ، ولمّا سرقت الرمّانتين كانتا سيّئتين ، فهذه أربع سيّئات . فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة منها كانت لي أربعون حسنة ، وإذا نقصت منها أربعا بقيت ستّ وثلاثون حسنة !
قال الإمام عليه السّلام : قلت له : ثكلتك أمّك ، أنت الجاهل بكتاب اللّه ، أما سمعت اللّه - عزّ وجلّ - يقول :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
« 3 » ؛ إنّك لمّا سرقت الرغيفين والرمّانتين كانت أربع سيّئات ، ولمّا دفعتها إلى غير أصحابها بغير رضاهم كنت أضفت إلى سيّئاتك أربع سيّئات أخر ، ولم تصف لك الأربعون ! قال : فجعل يلاحيني « 4 » فانصرفت وتركته !
قال الإمام عليه السّلام : « بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلّون ويضلّون » « 5 » .
هامش
( 1 ) أسرار الشهادة - عن مقتل أبي مخنف - : 232 ؛ وتجد صدر الأبيات في كامل ابن الأثير 3 : 283 ؛ ومناقب ابن شهرآشوب 3 : 248 .
( 2 ) الأنعام 6 : 16 .
( 3 ) المائدة 5 : 27 .
( 4 ) لاحاه : شتمه وأبغضه .
( 5 ) وسائل الشيعة 9 : 466 - 468 / 6 ؛ معاني الأخبار : 33 - 35 / 4 ؛ تفسير الإمام : 45 - 46 ؛ احتجاج الطبرسي 2 : 129 - 130 .