تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
نيّتهم وخطّتهم ، بادية لافحة :
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
ولن يستطيعوا أبدا ، ما دام المسلمون ثابتين على عقيدتهم ، لم تزعزعهم العواصف . أمّا ومن وهنت عقيدته وكادت تزلّ قدمه ، فإنّ مآله إلى الخسران الدائم ، سواء في هذه الحياة ، فيقضيها دنيئة وحقيرة . أم في الحياة الأخرى ، حيث سوء المآب .
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
ويزلّ
فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ
بقاء مع الكفر حتّى الموت
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
هدرت نهائيّا وخسروها خسرانا
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَ
فوق ذلك : أنّ
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ .
شملتهم اللعنة الأبديّة بلا أمد . نعم إنّ القلب الّذي تذوّق الإسلام وتعرّفه ، لا يمكن أن يرتدد عنه ارتدادا حقيقيّا ، إلّا إذا كان عن وهن في عقيدته منذ البدء . ممّن عبد اللّه على حرف ، فإن أصابه خير في ظاهر الأمر اطمأنّ به ، وإن أصابته فتنة ، لم يملك نفسه وانقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين « 1 » . وسوف نتكلّم عن الارتداد وآثارها السيّئة في إطاره القرآني . ثمّ هذا التحذير من اللّه قائم عبر الزمان . ليس لمؤمن عذر أن يخنع لعذاب أو فتنة ، ليزلّ عن طريقته الّتي كان قد اختارها عن وعي وعن حجّة قاطعة . فيرجع عن الحقّ الّذي ذاقه وعرفه ، بل لمسه لمسا . وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات ، حتّى يأذن اللّه ويأتي بأمره ، واللّه لا يترك عباده المؤمنين دون أن ينصرهم ويأخذ بأيديهم نحو ساحل النجاة .
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
« 2 » . فلا يزال المؤمن في كنفه تعالى منعما بإحدى الحسنيين : إمّا النصر أو الشهادة . فهناك رحمته تعالى يرجوها المؤمن ، ولا ييأس منها مؤمن عامر القلب بالإيمان الصادق :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
[ 2 / 6204 ] أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله :
أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
قال :
هامش
( 1 ) الحجّ 22 : 11 . اقتباس وتضمين . وستأتي الإشارة إلى أنّ المؤمن لا ينقلب على عقبه . وهذا من مذهب أصحابنا أهل التحقيق ، إذ من لمس الحقّ وعاينه بشهود ، لا يمكنه إنكاره ولا رفضه إذا كان مستقيم الفطرة سليما في عقله . ( 2 ) غافر 40 : 51 .