أخذتهم بارقة العذاب وأهلكتهم ، فليأخذوا منهم العبرة والعظة ، إن كانوا يشعرون . نعم
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ
المتاحة لديهم - وهي نعمة السلم ونعمة الإيمان -
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
وأتته
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ .
حيث لا مناص حينذاك من العقاب .
وما بدّلت البشريّة نعمة إلّا أصابها ذلّ الهوان ، في حياتها على الأرض قبل هوان الآخرة الدائم .
قال سيّد قطب : والتهديد بشدّة عقاب اللّه يجد مصداقه أوّلا في حال بني إسرائيل ، ويجد مصداقه أخيرا في المبدّلين للنعمة المتبطّرين عليها في كلّ زمان .
وها هي ذي ، البشريّة المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلّها تعاني العقاب الشديد ، وتجد الشقوة النكدة ، وتعاني القلق والحيرة ، ويأكل بعضها بعضا ، ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه ، ويطاردها وتطارده بالأشباح المطلقة ، وبالخواء « 1 » القاتل ، الّذي يحاول المتحضّرون أن يملئوه تارة بالمسكرات والمخدّرات ، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيّل إليك معها أنّهم هاربون تطاردهم الأشباح .
ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلّفة الّتي يظهرون بها : من مائلة برأسها ، إلى كاشفة عن صدرها ، إلى رافعة ذيلها ، إلى مبتدعة قبّعة غريبة على هيئة حيوان ! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل ! إلى لابس قميص تربّعت عليه صورة أسد أو دبّ !
ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة ، وأغانيهم المحمومة ، وأوضاعهم المتكلّفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات ؛ ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح .
ونظرة إلى التنقّل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل ، لا بل بين الصباح والمساء !
كلّ أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة الّتي لا طمأنينة فيها ولا سلام . ويكشف عن حالة الملل الجاثم الّتي يفرّون منها ، وعن حالة « الهروب » من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة ، كالّذي تطارده الجنّة والأشباح .
هامش
( 1 ) هو الفراغ والخلأ الهائل .