تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
لا بل إنّكم ناكرتم رسالة نبيّكم الأوّل الذي أنجاكم من براثن الذلّ والصغار ، عاندتم موسى الكليم ذلك النبيّ العظيم .
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ .
فهل كان اتّخاذكم العجل بعد ما جاءكم موسى بالبيّنات ، وفي حياته هل كان ذلك منكم من وحي الإيمان ؟ وهل يتوافق ذلك مع دعواكم أنّكم تؤمنون بما أنزل إليكم ؟ ! * * * نعم لم يكن اتّخاذهم العجل البادرة الوحيدة التي اتسمت بها إسرائيل في حياتها الكدرة بل كان هنالك الميثاق عند الصخرة الهاطلة وكان هناك التمرّد والعصيان بشكل أمرّ .
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا .
فهل أطاعوا وهل رضخوا للحقّ الصريح ؟ نعم أظهروا الطاعة وخالفوا في العمل !
قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا . . .
هذا لسان الحال وليس لسان القال . ولقد كان استسلامهم حينذاك إظهارا للسماع والطاعة . ولكن تمرّدهم المتواصل بعدئذ كان بيانا عن حالتهم التعنّتيّة الجامحة . وهذا الجموح والشقاق إنّما هو أثر تلك الطبيعة الغاشمة العاتية المائلة إلى الغيّ والانحراف عن جادّة الحقّ الصراح فكأنّما عجنت جبلّتهم بالغثاث واللجاج :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
فكأنّما أشرب قلوبهم الجنوح نحو الباطل ومن ثمّ ذاك الجموح أمام الحقّ . والإشراب في القلوب أبدع تصوير لحالتهم التعنّتيّة الزائفة فهي صورة فريدة . لقد أشربوا فكانت حالة انفعاليّة متميّعة لا صلابة فيها ولا ثبات . وأشربوا ما ذا ؟ أشربوا العجل وما هي إلّا صورة ساخرة هازئة ، صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا ، ويحشر فيها حشرا ، حتّى ليكاد يذهب بمعنى الحبّ إلى أقصى مراتبه في التفاني وميوعة الذات وفي النهاية إلى التعامي في الحياة . الأمر الذي استدعى أن لا يروا الحقّ حقّا ويرضخوا إلى ما عشقوه من الزهو الباطل فقد غطّيت وجوههم وختم على قلوبهم .