تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وتنويعها ، وفي تحقيق إرادة اللّه وناموس الوجود في تطويرها وتنميتها وتعديلها على يد خليفة اللّه في أرضه . هذا الّذي قد يفسد أحيانا وقد يسفك الدماء ، ليتمّ من وراء هذا الشرّ الجزئي المحدود خير أكبر وأشمل ، خير النموّ والرقيّ والاكتمال ، خير الحركة الهادمة البانية ، خير المحاولة الدائبة الّتي لا تكفّ ، والتطلّع الّذي لا يقف ، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير والجوّ الفسيح . عندئذ جاءهم القرار من العليم الخبير بكوامن الأمور :
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ .
* * *
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . .
وتبيينا لموضع آدم - هذا الكائن الجديد - من تحقيق تلك الخلافة المسجّلة باسمه والّتي فضّلته على كثير من الخلق وجعلته في درجة أعلى من التبجيل والإكرام ، جاء دور تركيز فطرته على العلم والمعرفة بحقائق الأشياء ، علما ذاتيّا ناشئا من جبلّته الّتي خلقه اللّه عليها ، وبذلك فاق على الآفاق . والأسماء - كما تقدّم في تفسير البسملة - جمع اسم بمعنى السمة ، ليكون العلم بالأسماء علما بسماتها وخصائصها ومعرفة شاملة لحقائق الأشياء والأسرار الكامنة في طبيعة الوجود . فيستخرجها ويسخرها ويستخدمها في مآربه في الحياة . وبذلك تعمر الأرض وتزدهر معالمها مع الآباد . وها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السرّ الإلهي العظيم الّذي أودعه اللّه هذا الكائن البشري ، وهو يسلّمه مقاليد الخلافة ويسخّر له أفاق الأرض وأجواء السماء . الأمر الّذي يقصر عن نيله الملائكة ذات الحياة الرتيبة والوظيفة الجارية على منوال ، إذ لم يعد لهم حاجة بتلك الخاصيّة ولا كانت هناك ضرورة تدعو إليه . ومن ثمّ لمّا عرضت الأسماء على الملائكة لم يعرفوها ولم يهتدوا إلى كنه معرفتها ، وهنا جاء هذا الكائن الجديد ليقوم بدور التعليم وإبداء مقدرته الذاتيّة على سائر الخلق ، فلم يكن من الملائكة سوى إبداء العجز والاعتذار عمّا فرط منهم في ذلك المجال .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 339 | الشيخ محمد هادي معرفة