تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم ، حتّى يصبّ عليهم من التهديد ما يهدّ الرواسي :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
- ذلك بأن -
يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ .
وما أبأس من يستهزئ به جبّار السماء والأرض ، وما أشقاه . قال سيّد قطب : وإنّ الخيال ليمتدّ إلى مشهد مفزع رعيب ، وإلى مصير تقشعرّ من هوله القلوب ، وهو يقرأ :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ .
فيدعهم يخبطون على غير هدى ، في طريق لا يعرفون غايته . واليد الجبّارة تتلقّفهم في النهاية ، كالفئران الضئيلة تتواثب في الفخّ ، غافلة عن المقبض المكين . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ، لا كالاستهزاء الهزيل الحقير . وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة الّتي أشرنا من قبل إليه ، حقيقة تولّي اللّه - سبحانه - للمعركة الّتي يراد بها المؤمنون . وما وراء هذا التولّي من طمأنينة كاملة لأولياء اللّه . ومصير رعيب بشع لأعداء اللّه الغافلين المتروكين في عماهم يخبطون ، المخدوعون بمدّ اللّه لهم في طغيانهم ، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم . والمصير الرهيب ينتظرهم هنالك ، وهم غافلون يعمهون . والكلمة الأخيرة الّتي تصوّر حقيقة حالهم ، ومدى خسرانهم :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
فلقد كانوا يملكون الهدى - المتاح لهم بفضل الإسلام - لو أرادوا ، كان مبذولا لهم ، وكان في متناولهم ، ولكنّهم
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
كأغفل ما يكون المتّجرون
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
إلى سبيل الاسترباح الأفضل . قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا . . .
[ 2 / 419 ] أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
الآية . قال : كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو بعضهم قالوا : إنّا على دينكم .
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ
وهم إخوانهم
قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
أي على مثل ما أنتم عليه « 1 » . [ 2 / 420 ] وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله :
وَإِذا لَقُوا
هامش
( 1 ) الدرّ 1 : 78 ؛ الطبري 1 : 188 - 190 / 296 ، 304 ، 307 ، 310 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 46 - 49 .