فِيهِ »
« 1 » .
فقد توفّرت المعاني الضخمة وازدحمت المعارف الجليلة بين أحضان القرآن الكريم ، بما بهر العقول وطار بالألباب ، الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها ، ولم يَدع مجالًا للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد ، ما دام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه إلى الإمام ! !
فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى ، وأنّ اللفظ مهما جلّ نظمه وعزّ سبكه ، فإنّه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه ، والتحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأشمل ، قال : فإن قال : الصرف عمّاذا وقع ؟ قلنا : عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه ، بأن سلب كلّ من رام المعارضة العلوم التي تتأتّى بها من ذلك ، فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة « 2 » .
تأمّل هذه العبارة وأمعن النظر فيها ، تجدها صريحة تقريباً في إرادة القدرة العلمية ، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده
« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »
« 3 » .
فهؤلاء حرموها مغبّة لجاجهم وعنادهم مع الحقّ .
وهكذا فهم الأُستاذ الرافعي تفسير مذهب السيّد في الصرفة ، قال : وقال المرتضى من الشيعة : بل معنى الصرفة أنّ اللَّه سلبهم العلوم . . . التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن . . . فكأنّه يقول : إنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ، ولا يستطيعون ما وراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعاني ، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم « 4 » .
ومن قبل قال التفتازاني : أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن ، بمعنى
هامش
( 1 ) . البقرة : 2 .
( 2 ) . بنقل الشيخ في التمهيد .
( 3 ) . البقرة : 269 .
( 4 ) . إعجاز القرآن ص 144 .