حقيقة مذهب الصرف
الصرف : مصدر « صرفه » بمعنى ردّه ، والأكثر استعماله في ردّ العزيمة ، قال تعالى :
« سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ »
« 1 » .
قال السيّد شبّر : أي عن إبطال دلائلي . ومعناه - كما ذكره الطبرسي في المجمع - :
سأفسخ عزائمهم على إبطال حججي بالقدح فيها وإمكان تكذيبها ، وذلك بوفرة الدلائل الواضحة والتأييد الكثير ، بما لا يدع مجالًا لتشكيك المعاندين ولا ارتياب المرتابين ، كما يقال : فلان أخرس أعداءه عن إمكان ذمّه والطعن فيه ، بما تحلّى من أفعاله الحميدة وأخلاقه الكريمة .
ومنه قوله تعالى - بشأن المنافقين - :
« ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »
« 2 » . وهذا دعاء عليهم بصرف قلوبهم عن إرادة الخير ، لكونهم قوماً حاولوا التعمية على أنفسهم فضلًا من الآخرين .
وعلى ذلك فقد اختلفت الأنظار في تفسير مذهب الصرف على ما أراده أصحابه ، قال الأمير يحيى بن حمزة العلوي الزيدي ( توفّي سنة 749 ه ) : واعلم أنّ قول أهل الصرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة ، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال .
التفسير الأوّل : أن يريدوا بالصرفة أنّ اللَّه تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة مع أنّ أسباب توفّر الدواعي في حقّهم حاصلة من التقريع بالعجز ، والاستنزال عن المراتب العالية والتكليف بالانقياد والخضوع ، ومخالفة الأهواء .
التفسير الثاني : أن يريدوا بالصرفة أنّ اللَّه تعالى سلبهم العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه .
ثمّ أنّ سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين : أحدهما أن يقال : إنّ تلك العلوم كانت
هامش
( 1 ) . الأعراف : 146 .
( 2 ) . التوبة : 127 .