ومن البحر والوزن .
أمّا حينما تتلو :
« وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى »
« 1 » فأنت أمام شطرة واحدة . . . وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن والتشطير ، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كلّ حرف فيها ، من أين ، وكيف ؟
هذه هي الموسيقى الداخلية ، والموسيقى الباطنة سرّ من أسرار المعمار القرآني ، لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي .
وكذلك حينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المذهل :
« وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى »
« 2 » .
كلماتٌ في غاية الرقّة مثل
« يَبَساً »
أو
« لا تَخافُ دَرَكاً »
بمعنى لا تخاف إدراكاً . إنَّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراص في معمار ورصف موسيقيّ فريد ، هو نسيجٌ وحده بين كلّ ما كتب بالعربية سابقاً ولاحقاً ، لا شبه بينه وبين الشعر الجاهلي ، ولا بينه وبين الشعر والنثر المتأخّر ، ولا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التأريخ ، برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن .
في كلّ هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماماً ، وكأنّها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير ، سوى أنّ لها مصدراً آخرَ غير ما نعرف .
وفي العبارة البسيطة المقتضبة التي روى بها اللَّه نهاية قصّة الطوفان ، تستطيع أن تلمس ذلك الشيء الهائل الجليل في الألفاظ :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . الضحى : 1 و 2 .
( 2 ) . طه : 77 - 79 .
( 3 ) . هود : 44 .