وخامسها : أنّه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثالُ هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة .
وسادسها : أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس : يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل ، وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء . وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ ، فإنّه يضعف كلامه في غير ذلك الفنّ . أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحاً في كلّ الفنون على غاية الفصاحة .
ألا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب :
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ »
« 1 » وقال تعالى :
« وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ »
. « 2 » وقال في الترهيب :
« أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ »
« 3 » . وقال :
« خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ . يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ »
« 4 »
.
وقال في الزجر مالا يبلغه وهم البشر ، وهو قوله :
« فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا »
« 5 » .
وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه :
« أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ »
« 6 » .
وقال في الإلهيّات :
« اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ »
« 7 » .
وسابعها : أنّ القرآن أصل العلوم كلّها ، فعِلم الكلام كلّه في القرآن ، وعِلم الفقه كلّه مأخوذ من القرآن ، وكذلك عِلم أصول الفقه ، وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا ، وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق .
هامش
( 1 ) . السجدة : 17 .
( 2 ) . الزخرف : 71 .
( 3 ) . الإسراء : 68 .
( 4 ) . إبراهيم : 15 - 17 .
( 5 ) . العنكبوت : 40 .
( 6 ) . الشعراء : 205 .
( 7 ) . الرعد : 8 .