كالأحيَاء مخلوقة على أساس الزوجية .
وحين نتذكّر أنّ هذا النصّ عرفه البشر ( المسلمون ) منذ أربعة عشر قرناً ، وأنّ فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء ولا سيّما النبات - لم تكن معروفة حينذاك ، فضلًا عن عموم الزوجية في كلّ شيء . . . حين نتذكّر هذا نجد أنّا أمام أمر عجيب عظيم . . . وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكّرة كلّ التبكير .
كما أنّ هذا النصّ ( القرآني المعجز ) يجعلنا نرجّح أنّ البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة . وهي تكاد تقرّر أنّ بناء الكون كلّه يرجع إلى الذرّة ، وأنّ الذرّة مؤلّفة من زوج من الكهرباء : موجب وسالب ! فقد تكون تلك البحوث إذاً على طريق الحقيقة في ضوء هذا النصّ العجيب . « 1 »
* * * وعن أكثر القدامى تفسير الزوجين هنا بالجنسين المتقابلين ، كالأرض والسماء ، والبرّ والبحر ، والليل والنهار ، والسهل والجبل ، والشمس والقمر ، والجنّ والإنس ، والنور والظُلمة . . . وما إلى ذلك . . . وهكذا المعنويّات كالسعادة والشقاء ، والخير والشرّ ، والهدى والضلال . . . ونحو ذلك .
سوى ابن زيد ، فإنّه فسّره بالذكر والأنثى ، وهو عجيب . « 2 » قال الرازي - توجيهاً لما قاله الأقدمون - : والزوجان : إمّا الضدّان فإنّ الذكر والأنثى كالضدّين والزوجان منهما كذلك ، وامّا المتشاكلان فإنّ كلّ شيء له شبيه ونظير وضدّ وندّ .
قال المنطقيون : المراد بالشيء الجنس ، وأقلّ ما يكون تحت الجنس نوعان ، فمن كلّ جنس خلق نوعين من الجوهر ، مثلًا المادّي والمجرد ، ومن المادّي النامي والجامد ، ومن النامي المدرك والنبات ، ومن المدرك الناطق والصامت « 3 » .
هامش
( 1 ) . في ظلال القرآن : ج 27 مجلّد 7 ص 587 - 588 .
( 2 ) . راجع : مجمع البيان للطبرسي : ج 9 ص 160 .
( 3 ) . التفسير الكبير : ج 28 ص 227 .