من ذلك قوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
« 1 » .
كانوا سألوا عن الهلال ما باله يبدو دقيقاً ثم لا يزال يزداد حجماً حتى يكتمل بدراً ، ثم يعود شيئاً فشيئاً حتى يصير كما بدأ ؟ فأجيبوا : بما في الآية تنبيهاً على أنّ الذي ينفعهم وهو أهمُّ بحالهم ، ويكون وفق إدراكهم هو هذا ، لا الذي سألوه .
وقوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ »
« 2 » .
سألوا عن الذي ينفقونه ، فأجيبوا ببيان مصارف الإنفاق ، تنبيهاً على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق ، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ما تيسّر ، من أيّ جنس كان ، لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلّاأن تقع موقعها ، وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو صالح للإنفاق . ومن ثم ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ اللَّه عليم بذات الصدور . « 3 »
الاستدراج
وسمّاه بعضهم « مجاراة الخصم » ليعثر ، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه ويقبضه .
قال ابن معصوم : هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه ، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال ، حيث يُسمعه الحقّ على وجه لا يُغضبه .
هامش
( 1 ) . البقرة : 189 .
( 2 ) . البقرة : 215 .
( 3 ) . راجع أنوار الربيع : ج 2 ص 209 و 210 .