وكقوله سبحانه موطّئاً للتخلّص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً . . .
الآية » « 1 » « 2 » .
الاقتضاب
وأما الاقتضاب فهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره بلا علاقة بينه وبينه .
لكن منه ما يقرب من التخلّص ، ويسمّى « فصل الخطاب » .
والذي أجمع عليه المحقّقون من علماء البيان هو قوله « أمّا بعد » كما هو المتعارف ، يفتتح الكلام في كلّ أمر ذي بال بذكر اللَّه وتحميده والصلاة على نبيّه وآله ، فإذا أراد الخروج إلى الغرض المسوق له الكلام فصله بقوله : « أمّا بعد » .
ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظة « هذا » تُجعل خاتمة الكلام السابق وفاتحة الكلام اللاحق . وهي العلاقة الوكيدة بين الكلامين ، وقد استعملها القرآن على ألطف وجه ، كقوله تعالى :
« وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ . إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ . وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ . هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ . مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ . وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ . هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ . إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ . هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ »
« 3 » .
ألا ترى إلى ما ذكر قبل « هذا » ؟ ذكر مِن الأنبياء عليهم السلام وأراد أن يذكر على عقبه باباً آخر غيره ، وهو ذكر الجنّة وأهلها ، فقال : « هذا ذكر » . ثم قال : « وَإنّ للمُتّقينَ لَحُسنَ مآب » . ثم لمّا
هامش
( 1 ) . آل عمران : 33 .
( 2 ) . البرهان : ج 1 ص 45 .
( 3 ) . ص : 45 - 55 .