تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص التمهيد — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
التجوال ما لا تحتمله غيرها من سائر اللغات « 1 » . قال السكاكي : والعرب يستكثرون من الالتفات ، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب كان أدخل في القبول عند السامع ، وأحسن تطرية لنشاطه ، وأملأ باستدرار إصغائه . قال : وأجدر بهم في هذا الصنيع ، أفتراهم يحسنون قرى الأضياف بتلوين الطعام ، وهو أبدان وأشباح ، ولا يحسنون قرى النفوس والأرواح بتنويع الكلام ؟ ! والكلام كلّما ازداد طراوةً كان أشهى غذاءً للروح وأطيب قرىً للقلوب . قال : وهذا الوجه - وهو تطرية نشاط السامع - هو فائدته العامّة . وقد يختصّ مواقعه بلطائف معانٍ ، قلّما تتّضح إلّالأفراد بلغائهم أو للحُذّاق المَهرة في هذا الفنّ والعلماء النحارير . ومتى اختصّ موقعه بشيء من اللطائف والظرائف كساهُ فضلَ بهاء ورونق ورواء ، وأورث السامع زيادة هزّة ونشاط ، ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل ، إن كان ممّن يسمع ويعقل ، وقليلٌ مّا هم ، أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ ! قال : وكلّ التفات وارد في القرآن الكريم ، متى صِرت من سامعيه ، عرّفك ما موقعه . وإذا أحببت أن تصير من سامعيه فأصخ ثمّ ليُتلى عليك قوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
. أليس إذا أخذت في تعديد نِعم المولى - جلّت آلاؤه - مستحضراً لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالإقبال على منعمك ، وتزين لك ذلك ، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نعمه ، حتّى تحملك من حيث لا تدري على أن تجدك وأنت معه في الكلام تثني عليه وتدعو له وتقول : بأيّ لسان أشكر صنائعك الروائع ، وبأيّة عبارة أحصر عوارفك الذوارف « 2 » ، وما جرى هذا المجرى . وإذا وعيت ما قصصته عليك وتأمّلت الالتفات في
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
- بعد تلاوتك لما قبله
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
- على وجه
هامش
( 1 ) . المثل السائر : ج 2 ص 170 . ( 2 ) . العوارف : جمع العارفة بمعنى المعروف . والذوارف : جمع الذارفة ، من الذرف بمعنى الانصباب .