ووزان هذا ، أن تقول « اشتعل البيت ناراً » أو تقول « اشتعل البيت ناراً » أو تقول « اشتعل النار في البيت » فكم بينهما من فرق ؟ « 1 » ونظيره في الروعة قوله تعالى - يصف العلاقة الجنسية بأرفع أسلوب وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجدلها مثيلًا ولا بديلًا - :
« فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
« 2 » .
إنها استعارة من أبدع الاستعارات وأرفعها تعبيراً عن أمر يقبح التصريح به ، كلمة رقيقة مهذّبة ، لم تعرفها العرب من ذي قبل ، فجاءت طريفة في نوعها وظريفة في أسلوبها « 3 » .
فقد استعير التغشّي كناية عن حمل جنسي ، يشبع غريزة فطرية ، ويحول دون الهلع إلى الفحشاء ، فيوجب عفافاً وستراً كريماً يغطّي مطاليب الجسد في جوّ نزيه طاهر . وهذا هو الإحصان واللباس الساتر دون كشف العورات .
« هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ »
« 4 » .
فالرجل عندما يقوم بعملية جنسية فإنه يغشي زوجه بثوب فضفاض من العفاف الشامل ، ويغطيها بلباس التقوى حافظاً لها وساتراً عليها ، برفقٍ ولطفٍ كريم . فما أرقّه من تعبير وأروعه من أسلوب !
3 - أصلية وتبعية
إذا كانت الاستعارة في أسماء الأجناس - سَواء في الذوات كالأسد للشجاع والحمار للبليد ، أم في المعاني كالقتل للضرب المرهق والسحق لإبطال أمر أو إنكاره - وكذا في أسماء الأعلام - إذا كانت بتأويل أسماء الأجناس ، بأن كانت لها جهة وصفية معروفة ، كحاتم للجواد وما دَرّ للبخيل أو اللئيم - كانت الاستعارة في مثل ذلك كلّه أصلية ، نظراً لأنّ
هامش
( 1 ) . دلائل الإعجاز : ص 69 - 70 .
( 2 ) . الأعراف : 189 .
( 3 ) . راجع محاولة لفهم عصريّ للقرآن لمصطفى محمود : ص 17 .
( 4 ) . البقرة : 187 .