الفنّي أن تفضّل قطعة أدبية على قطعة أخرى ، لأنّ هذه تعادلت فيه الفقر وتلك تخلّصت من قيود الصنعة ، أو أنّه شعر والآخر نثر ، أو أنّه مسجوع أو متعادل وغيره طليق مرسل « 1 » .
نعم لا موضع لهذا الإيراد ، بعد أن كان التفاضل في أسلوب البيان نوعاً من البراعة قد تبلغ مبلغ الإعجاز ، كما في القرآن .
* * * والسجع : يطلق على طراز بلاغيّ خاصّ ، تستخذم فيه فقراتٌ قصيرة ذات كلمات مقفّاة ، إلّاأنّه مع هذا متميّز عن الشعر بأنّه غير خاضع لقافية واحدة ولا لوزن خاصّ .
ولعلّ السجع أول أسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة .
وهذا الأسلوب من التعبير ، كثيراً ما كان الكهنة يستعملونه في نبوءاتهم أيام الجاهلية . . .
وإن كان هو الشايع أيضاً بين الخطباء وأرباب الحكم من العرب الأوائل « 2 » .
واشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهّان والكواهن ، أقدمهم شقّ وسطيح ، وحكاياتهما أشبه بالخرافات منها بالحقائق « 3 » . ومن الكهّان الذين نبغوا قُبيل الإسلام :
خناخر بن التوام الحميري ، وسواد بن قارب الدوسي . وفيهم من يُعرفون بما ينسبون إليه من البلاد أو القبائل ، كقولهم : كاهن قريش وكاهن اليمن وكاهن حضرموت وغيرهم .
ويقال نحو ذلك في العرّافين « 4 » وأكثرهم يُنسبون إلى بلدانهم وقبائلهم ، كعرّاف هذيل
هامش
( 1 ) . كلام قاله الدكتور عبد الرؤوف مخلوف ، ردّاً على مقال الباقلّاني الآنف . ( الباقلّاني وكتابه : ص 194 - 199 ) .
( 2 ) . دائرة المعارف الإسلاميّة : ج 11 ص 295 . وراجع تاريخ الآداب العربية لجرجي زيدان : ج 1 ص 210 - 212 .
( 3 ) . زعموا أنّ شقّاً كان شق إنسان ( نصفه ) بيد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة . وأنّ سطيحاً كان لحماً يطوى كما يطوىالثوب لا عظم فيه غير الجمجمة ووجهه في صدره . وزعموا أنّ هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون . . . إلى غير ذلك من الأوهام .
( 4 ) . الفرق بين الكهانة والعرافة : أنّ الأولى مختصّة بالأمور المستقبلة ، والعرافة بالأمور الماضية . وكلاهما تنبّؤ واستطلاعللغيب .