قلت : لعلّه من القرو بمعنى الاستواء على طريقة واحدة ، كما جاء في كلامه . وهو المعبّر عنه بالعادة المعروفة عند النساء ، يعتورهنّ الطمث كلّ شهر عادة مستقرّة ، نظير أقراء الشِعر بمعنى أوزانه وأطواره ، كما جاء في حديث إسلام أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشِعر فلا يلتئم على لسان أحد « 1 » .
ومنه قول الشاعر :
إذا ما السماء لم تغم ثم أخلفت * قروء الثريّا أن يكون لها قطر
أي مواقع طلوعها وهو وقت رتيب .
وقوله صلى الله عليه وآله : « تدع الصلاة أيّام أقرائها » أيضاً شاهد على هذا المعنى .
نعم قالت عائشة : أوَ تدرون ما الأقراء ؟ الأقراء الأطهار « 2 » . وهي أوّل من أبدت هذا الرأي وأغربت ، وسار من خلفها لفيف من فقهاء الحجاز . وقد صدرت روايات من أئمّة أهل البيت عليهم السلام في هذا الجوّ السائد . غير أنّ هناك روايات أخرى صدرت بعيدة عن الضغط الحاكم ، وفسّرت الأقراء بثلاث حيض . روى الشيخ بإسناده الصحيح عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام قال « عدّة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء وهي ثلاث حِيَض » « 3 » .
وعليه فلم يثبت اشتراك هذه اللفظة بين الطهر والحيض ، كما زعمه أناس !
هذا ، وقد حاول الراغب الإصفهاني الجمع بين الأقوال ، فزعم أنّ القرء اسمٌ للدخول في الحيض . قال : والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر ، ولمّا كان اسماً جامعاً للأمرين - الطهر والحيض - المتعقّب له اطلق على كلّ واحد منهما . . . وليس القُرء اسماً للطهر مجرّداً ولا للحيض مجرّداً ، بدلالة أنّ الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذاتُ قُرء ، وكذا الحائض التي استمرّ بها الدم . . . وقول أهل اللغة : إنّ القرء من قرأ أي جمع ، فإنّهم اعتبروا الجمع بين زمن الطهر وزمن الحيض حسبما ذكرتُ لاجتماع الدم في الرحم « 4 » .
هامش
( 1 ) . نهاية ابن الأثير : ج 4 ص 31 .
( 2 ) . موطّأ مالك بشرح التنوير : ج 2 ص 96 .
( 3 ) . الوسائل : ج 15 ص 425 رقم 7 .
( 4 ) . المفردات : ص 402 .