وذلك كقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ »
« 1 » قيل : نزلت بالجحفة والنبي صلى الله عليه وآله في طريق هجرته إلى المدينة « 2 » .
الثاني : ما نزل بمكّة وحواليها ولو بعد الهجرة فهو مكّي ، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدني ، وما نزل خارج البلدين بعيداً عنهما فهو لا مكّي ولا مدني ، كقوله تعالى :
« كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ »
« 3 » قيل : نزلت بالحديبية حينما صالح النبي صلى الله عليه وآله مشركي قريش ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام : اكتب : بسم اللَّه الرحمان الرحيم . فقال سهيل بن عمرو وسائر المشركين : ما نعرف الرحمان إلّاصاحب اليمامة - يعنُون مسيلمة الكذّاب - فنزلت الآية « 4 » . وهكذا آية الأنفال « 5 » نزلت في بدر عندما اختصم المسلمون في تقسيم الغنائم « 6 » لا مكّية ولا مدنيّة ، على هذا الاصطلاح .
الثالث : ما كان خطاباً لأهل مكَّة فهو مكّي ، وما كان خطاباً لأهل المدينة فهو مدني .
وهذا الاصطلاح مأخوذ من كلام ابن مسعود : كلّ شيء نزل فيه « يا أيها الناس » فهو بمكَّة ، وكلّ شيء نزل فيه « يا أيها الذين آمنوا » فهو بالمدينة « 7 » . قال الزركشي : لأنَّ الغالب على أهل مكَّة الكفر ، والغالب على أهل المدينة الإيمان « 8 » .
* * * وهذا الاختلاف في تحديد المكّي والمدني أوجب اختلافاً في كثير من آيات وسوَر أنَّها مكّية أم مدنية « 9 » . غير أنَّ المعتمد من هذه المصطلحات هو الأوَّل ، وهو المشهور الَّذي جرى
هامش
( 1 ) القصص : 85 .
( 2 ) البرهان للزركشي : ج 1 ص 197 .
( 3 ) الرعد : 30 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 6 ص 293 .
( 5 ) قوله تعالى : « يَسألونَكَ عن الأنفال قُلِ الأنفالُ للَّهِ والرسولِ . . . » ( الأنفال : 1 ) .
( 6 ) راجع السيرة لابن هشام : ج 2 ص 322 .
( 7 ) مستدرك الحاكم : ج 3 ص 18 .
( 8 ) البرهان للزركشي : ج 1 ص 187 .
( 9 ) كما في آية الأمانات من سورة النساء : 58 . زعمها النَحّاس مكّية لرواية ابن جريح . ( راجع مجمع البيان : ج 3 ص 63 ) .