الخلق « 1 » .
فساعة البعثة هي الفترة الحاسمة ، وهي الحلقة الواصلة بين السفرتين الذاهبة والراجعة ، وهي موقف حرج ، حاشَ للَّهأن يترك حبيبه يكابد الأمرَّين حينما بلغ قمَّة اللقاء ، والآن يريد أن يختاره رسولًا إلى الناس ، فيتركه يتلوّى في هواجس مخطرة ، ويروعه بتلك الصورة الفظيعة الّتي تكاد تذهب بنفسه الكريمة أو تستحوذ على عقله روعة المنظر الرهيب ! !
أليس محمَّد صلى الله عليه وآله أكرم على اللَّه من إبراهيم الخليل وموسى الكليم وغيرهما من أنبياء عظام ، لم يتركهم في ساعة العسرة ، ليلتجئوا إلى إنسان غيره ، حاشاه من ربٍّ رؤوفٍ رحيم ! !
ثانياً : إنَّا لنربأ بعلماء - هم أهل تحقيق وتمحيص - أن يفضِّلوا عقليَّة امرأة لا شأن لها وأسرار النبوّات على عقليَّة إنسان كامل كان قد بلغ القمَّة الَّتي استأهلته لحمل رسالة اللَّه ، ثمَّ تقوم هي بتجربة حاسمة يجهلها رسول ربِّ العالمين ، ليطمئنَّ إلى قولتها ، أو قولة رجل كان شأنه أن كان قارئاً للكتب ، وليس لذلك العهد كتب فيها حقائق ومعارف غير محرَّفة قطعياً .
ولم نعرف ما الَّذي وجده رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في قولتهما ، فكان منشأ اطمئنانه ، لم يجده في الحقِّ النازل عليه من عند اللَّه العزيز الحكيم .
ألم تكن الرؤى الصادقة الَّتي سبقت البعثة ، ولم يكن تسليم الملَك النازل عليه حينها :
السَّلام عليك يا رسول اللَّه وتسليم الشجر والحجر كلَّما مرَّ بهما في طريقه راجعاً إلى بيت خديجة ، ولم يكن عرفانه الذاتي الَّذي كان يتعمَّقه مدَّة اختلائه بحراء ، كلّ ذلك لم يستوجب استيقانه بالأمر ، ليستيقن من طمأنة امرأة أو رجل متنصّر ؟ ! ! إن هذا إلّاإزراء فظيع بمقام رسالة اللَّه ، إن لم يكن مسّاً شنيعاً بكرامة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المنيعة .
ثالثاً : اختلاف سرد القصَّة ، بما لا يلتئم مع بعضها البعض ، لدليل على كذبها رأساً . ففي رواية : « انطلقت خديجة لوحدها إلى ورقة ، فأخبرته بما جرى » وفي أخرى : « انطلقت بي إلى ورقة وقالت : اسمع من ابن أخيك . فسألني فأخبرته ، فقال : هذا الناموس الَّذي انزل
هامش
( 1 ) على ما جاء في تعبير الفيلسوف الإلهي الحكيم صدر الدين الشيرازي تقدّم كلامه في « الرؤيا الصادقة » .