تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص التمهيد — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠

حصر القراءات في السبع

كان العرض المتقدِّم نموذجاً كافياً عن اعتناء المسلمين في عامَّة أدوارهم بالقراءات المعروفة عن الأئمَّة الكبار وحفظها وتدوينها والقراءة بها أجمع ، غير أنَّ أهل كلِّ بلد كانت عنايتهم بمن حلَّ في بلدهم من الأئمَّة أكثر من غيرهم . ولم يكن من أحد من العامَّة والخاصَّة نكير على هذه السيرة المستمرَّة ، كما تقدَّم في كلام ابن الجزري أخيراً . وهكذا كانت اختيارات القرّاء واجتهاداتهم في الأخذ والتمحيص موضع عناية كافّة المسلمين ، يتلقَّونها ويقرأون بها . نعم ، في إطار من محدوديَّة شروط خاصَّة تقدَّمت أيضاً . لقد جرت هذه السيرة المستمرَّة في كلا جانبي القراءة والإقراء ، حتّى مطالع القرن الرابع ، حيث نبغ نابغة بغداد - في اجتلاب قلوب العامَّة والنفوذ في عقول الامراء - أبو بكر « ابن مجاهد » . كان قد تصدَّر كرسيّ شيخ القرّاء رسميّاً من قِبَل الدّولة ، واجتمعت عليه عامَّة الناس في غوغاء وضوضاء ، وكان له منافسون أفضل نبلًا وقدماً في القرآن ، وكانوا يستصغرونه لضآلة عمله وقلَّة روايته عن الشيوخ وعدم رحلته في طلب العلم وضعف مقدرته في فنون القراءة وأنواعها المأثورة عن الأئمَّة الكبار . يقول المعافي أبو الفرج : دخلت يوماً على ابن شنبوذ « 1 » وهو جالس وبين يديه خزانة الكتب ، فقال لي : يا معافي افتح الخزانة ، ففتحتها وفيها رفوف عليها كتب ، وكلُّ رفٍّ في فنٍّ من العلم ، فما كنت آخذ مجلَّداً وأفتحه إلّاوابن شنبوذ يهذُّه كما يقرأ الفاتحة « 2 » . ثمَّ قال : يا معافي ، واللَّه ما أغلقتها حتّى دخلت معي إلى الحمّام هذا ، والسوق للعطشي « 3 » . قال ابن الجزري : وكان قد وقع بين ابن شنبوذ وابن مجاهد تنافس على عادة الأقران ، حتّى كان ابن شنبوذ لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد ، وكان يقول : هذا العطشي - يعني ابن مجاهد - لم تغبَّر قدماه في هذا العلم . قال العلّاف : سألت أبا طاهر : ايُّ الرجلين أفضل ، أبو بكر ابن مجاهد ، أو أبو الحسن ابن
هامش
( 1 ) محمَّد بن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ . ( راجع غاية النهاية : ج 2 ص 52 ) . ( 2 ) يقال : هذّ الحديث يهذّه - بتشديد الذال - أي قرأه سريعاً . ( 3 ) السوق كناية عن رواج الأمر . والعطشي : لقب ابن مجاهد ، لأنّه ولد بحارة سوق العطش في بغداد ، فنسب إليها .