بعدها ، ويدعون موضعها حتّى يجيء الرجل أو يرسل إليه « 1 » .
هذا ، وربَّما كان ابيّ بن كعب يملي عليهم القرآن فيكتبونه ، أو يرسلون إليه فيصحّح لهم ما اشتبهت عليهم قراءتها .
وقال عبد اللَّه بن هانئ البربري - مولى عثمان - : كنت عند عثمان ، وهم يعرضون المصاحف - أي يقابلون النسخ مع بعضها البعض - فأرسلني بكتف شاة إلى ابيّ بن كعب فيها : « لم يتسنَّ » . وفيها : « لا تبديل للخلق اللَّه » . وفيها : « فأمهل الكافرين » . فدعا ابيّ بدواة فمحا اللامين وكتب « لخلق اللَّه » . ومحا « فأمهل » . وكتب « فمهّل » وكتب « لخلق اللَّه » . ومحا « فأمهل » . وكتب « فمهّل » وكتب « لم يتسنَّه » فألحق فيها الهاء « 2 » .
* * * أمّا المرحلة الثالثة فكان التساهل فيها أوضح ، حسب ما أودعت في المصحف العثماني من أخطاء ومناقضات إملائية بما لا يستهان بها ، كما ولم تتَّحد نسخ المصاحف مع بعضها البعض ، فكان بين المصاحف المرسلة إلى الآفاق اختلاف ؛ الأمر الَّذي يؤخذ على أعضاء اللجنة ، ولا سيَّما عثمان نفسه ، الَّذي عثر على تلك الأخطاء وأهملها تساهلًا بالأمر !
يحدِّثنا ابن أبي داود عن بعض أهل الشام ، كان يقول : مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة . لأنَّ عثمان لمّا كتب المصاحف بلغه قراءة أهل الكوفة على حرف عبد اللَّه ، فبعث إليهم بالمصحف قبل أن يعرض - أي قبل مقابلته على سائر النُسخ - وعرض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث بهما « 3 » .
وهو تسريع في إرسال المصحف إلى قطر كبير قبل مقابلته بدقَّة .
كما وأنَّ وجود اختلاف بين مصاحف الأمصار - على ما يحدِّثنا ابن أبي داود أيضاً « 4 » - لدليل على مدى الإهمال الَّذي سمحوا به في ناحية المقابلة والإتقان من صحَّة النُسخ .
هامش
( 1 ) نفس المصدر : ص 21 .
( 2 ) الإتقان : ج 1 ص 183 .
( 3 ) المصاحف : ص 35 .
( 4 ) نفس المصدر : ص 39 - 49 . وسنذكره في فصل قادم إن شاء اللَّه .