العهن بالصوف في الآية الكريمة « 1 » أو قراءة أبي بكر : « وجاءت سكرة الحقّ بالموت » « 2 » مكذوباً ، أو هو اعتبارٌ شخصيٌّ لا يتّسم بالقرآنية في شيء .
ثالثاً : اتّفاق كلمة الأُمَّة في جميع أدوار التاريخ على أنَّ النظم الموجود والأسلوب القائم في جُمَل وتراكيب الآيات الكريمة هو من صنع الوحي السماويّ لاغيره . الأمر الَّذي التزم به جميع الطوائف الإسلامية على مختلف نزعاتهم وآرائهم في سائر المواضيع . ومن ثمَّ لم يتردَّد أحد من علماء الأدب والبيان في آية قرآنية جاءت مخالفة لقواعد رسموها ، في أخذ الآية حجَّة قاطعة على تلك القاعدة وتأويلها إلى ما يلتئم وتركيب الآية . وذلك علماً منهم بأنَّ النظم الموجود في الآية وحي لا يتسرَّب إليه خطأ البتَّة ، وإنَّما الخطأ في فهمهم هم ، وفيما استنبطوه من قواعد مرسومة .
مثال ذلك قوله تعالى :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ »
« 3 » فزعموا أنَّ الحال لا تتقدَّم على صاحبها المجرور بحرف ، والآية جاءت مخالفة لهذه القاعدة . ومن ثمَّ وقع بينهم جدل عريض ودار بينهم كلام في صحَّة تلك القاعدة وسقمها « 4 » . ولجأ ابن مالك أخيراً إلى نبذ القاعدة بحجَّة أنَّها مخالفة للآية ، قال :
وسبق حال ما بحرف جرّ قد * أبوا ولا أمنعه فقد ورد
تأليف الآيات
وأمّا تأليف الآيات ضمن كلِّ سورة - على التَّرتيب الموجود - فهذا قد تحقَّق في الأكثر الساحق وفق ترتيب نزولها ؛ كانت السورة تبتدأ ببسم اللَّه الرحمان الرحيم فتسجَّل الآيات التَّي تنزل بعدها من نفس هذه السورة ، واحدة تلو أخرى تدريجيّاً حسب النزول ، حتَّى تنزل بسملة أخرى ، فيعرف أنَّ السورة قد انتهت وابتدأت سورة أخرى .
هامش
( 1 ) القارعة : 5 ، راجع تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة : ص 19 .
( 2 ) ق 19 ، راجع تفسير الطبري : ج 26 ص 100 وأصل الآية : « وجاءت سكرة الموت بالحقّ » .
( 3 ) سبأ : 28 .
( 4 ) راجع شرح التوضيح لخالد الأزهري ، والكشّاف للزمخشري .