أبيه قال : سمعت محمّد بن سعيد يقول : لا بأس إذا كان الكلام حسنا أن تضع له إسنادا .
ومنهم قوم وضعوا الحديث تزلّفا إلى سلطان أو نيلًا إلى نوال ، كما وضع غياث بن إبراهيم حديث « لا سبق إلّا في نصل أو خفّ أو حافر أو جناح » تزلّفا إلى المهديّ ، وكان يحبّ الحمام .
ومنهم من كان يضع الحديث جوابا لسائليه ليُحظى منزلة رفيعة لديه .
ومنهم من كان يضع الحديث لقدح أو مدح في أناس لأغراض مختلفة ، كالأحاديث الموضوعة في قدح ومدح الشافعيّ وأبي حنيفة .
ومنهم من كان يضع الغريب من الحديث ، استجلابا لأنظار العامّة ، كما كان يفعله القُصّاص ؛ ومعظم البلاء منهم يجري ، لأنّهم يزيدون أحاديث تثقف وترقّق ، والصحاح يقلّ فيها هذا . لا جرم كان القُصّاص شديدي النعير ساقطي الجاه ، لا التفات إليهم ، ليست لهم دنيا ولا آخرة .
ومن هؤلاء القُصّاص شحّاذون ، يضعون الحديث ويسندونه إلى من شاؤوا ، ولا سيّما من كان معروفا لدى العامّة بالجاه والقبول .
قال جعفر بن محمّد الطيالسيّ : صلّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة . فقام بين أيديهم قَصّاص ، فقال : حدّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قالا :
حدّثنا عبد الرزّاق عن معمر عن قتادة عن أنس ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من قال : لا إله إلّا اللّه ، خلق اللّه كلّ كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان . . . » وأخذ في قصّة نحو عشرين ورقة . فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ، ويحيى ينظر إلى أحمد ، فقال له :
أنت حدّثته بهذا ؟ فقال : واللّه ما سمعت بهذا إلّا الساعة ، فلمّا فرغ من قصصه وأخذ القطيعات ، ثمّ قعد ينتظر بقيّتها ، أشار إليه يحيى بيده أن تعال ، فجاء متوهّما النوال . فقال له يحيى : من حدّثك بهذا الحديث ؟ فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . فقال : أنا يحيى وهذا أحمد ، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان لا بدّ والكذب فعلى غيرنا ! فقال له : أنت يحيى بن معين ؟ قال : نعم .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 61
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٦١