مراعيا فيها مصلحة العباد . فقد كان في مصلحتهم بعث الرسل والأنبياء وإنزال الشرائع ، وكان في طبيعتهم اقتضاء ذلك . فقد أجاب طلبهم إتماما للحجّة عليهم ، فلا تكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل .
وقد جاء في القرآن حوالي ثمانين موضعا ، جاء التصريح فيها بأنّه تعالى حكيم عليم ، وحكيم خبير ، وعزيز حكيم ؛ ممّا ينبؤك عن علم وحكمة لا يفعل شيئا إلّا عن إحاطة وقدرة وحكمة شاملة .
وأمّا مسألة خلق إبليس وإمهاله وتسليطه على إغواء الناس ، فهذا أمر يعود إلى مصلحة النظام القائم في الخلق ، لا شيء إلّا وهو واقع بين قطبين : سلب وإيجاب ، جذب ودفع ؛ وبذلك استوى الوجود . فلولا دوافع الشرور ، لم يكن في الاندفاع نحو المطلوب الخير كثير فضل ، بل لم يكن هنا اندفاع نحو الخير ؛ حيث لا دافع إلى الشرّ .
فالإنسان واقع بين دوافع الخير ودوافع الشرّ على سواء ، وهو مختار في الانجذاب إلى أيّهما شاء ، ويملك قدرته في الاختيار وعقله وإرادته التامّة في اختيار الخير أو الشرّ . فإذا اختار الخير فعن إرادته وتحكيم عقله فكانت فضيلة ، وإذا اختار الشرّ فعن إرادته والاستسلام لهوى نفسه فكانت رذيلة . ولا فضيلة ولا رذيلة إلّا إذا كانت هنا دوافع للخير وللشرّ معا ، وكان الإنسان يملك إرادته في الاختيار .
أمّا الشيطان فلا سلطة له على الإنسان سوى دعوته وبعثه إلى فعل الشرور
« وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي »
« 1 » ، نعم كان كيد الشيطان ضعيفا « 2 » . وأنّ اللّه لهو القويّ العزيز « 3 »
« كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »
« 4 » ،
« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
« 5 » .
هامش
( 1 ) - . إبراهيم 22 : 14 .
( 2 ) - . قال تعالى :« إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً »، النساء 76 : 4 .
( 3 ) - . قال تعالى :« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ »، هود 66 : 11 .
( 4 ) - . المجادلة 21 : 58 .
( 5 ) - . غافر 51 : 40 .