وعند الآية 3 من سورة النساء :
« . . ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا . . »
. . يقول : اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقوال : الأوّل : أن لا يكثر عيالكم . . قاله الشافعيّ . . الثاني : أن لا تضلّوا . . قاله مجاهد . . الثالث : أن لا تميلوا . . قاله ابن عبّاس والناس . .
قلنا : أعجب أصحاب الشافعيّ بكلامه هذا ، وقالوا : هو حجّة ، لمنزلة الشافعيّ في اللغة ، وشهرته في العربيّة ، والاعتراف له بالفصاحة ، حتّى لقد قال الجوينيّ بشأنه : هو أفصح من نطق بالضاد ، مع غوصه على المعاني ، ومعرفته بالأصول ؛ واعتقدوا أنّ معنى الآية :
فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم ، فذلك أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال !
قال ابن العربيّ : كلّ ما قال الشافعيّ أو قيل عنه أو وصف به ، فهو كلّه جزء من مالك ونغبة من بحره « 1 » ؛ ومالك أوعى سمعا ، وأثقب فهما ، وأفصح لسانا ، وأبرع بيانا ، وأبدع وصفا . . ويدلّك على ذلك مقابلة قول بقول في كلّ مسألة وفصل . .
ثمّ تكلّم بعد ذلك عن معنى لفظ « عال » في اللغة ، ثمّ قال : والفعل في كثرة العيال رباعيّ ( أعال ) لا مدخل له في الآية . فقد ذهبت الفصاحة ، ولم تنفع الضاد المنطوق بها على الاختصاص « 2 » .
* * * وعند الآية 25 من سورة النساء :
« . . فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ . . »
. . يقول : قال أبو بكر الرازيّ ( الجصّاص ) إمام الحنفيّة ، ليس نكاح الأمة ضرورة ، لأنّ الضرورة ما يخاف منه تلف نفس أو تلف عضو ، وليس في مسألتنا شيء من ذلك !
قلنا : هذا كلام جاهل بمنهاج الشرع ، أو متهكّم لا يبالي بموارد القول « 3 » . . ونحن لم نقل :
إنّه حكم نيط بالضرورة ، إنّما قلنا : إنّه حكم علّق بالرخصة المقرونة بالحاجة ، ولكلّ واحد منهما حكم يختصّ به ، وحالة يعتبر فيها . . ومن لم يفرّق بين الضرورة والحاجة التي تكون معها الرخصة ، فلا يُعنى بالكلام معه ، فإنّه معاند أو جاهل . وتقرير ذلك إتعاب
هامش
( 1 ) - . النغبة : الجرعة . وهي بفتح النون وضمّها . .
( 2 ) - . المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 314 - 315 .
( 3 ) - . المتهكّم : المستهزء . .