وفي هذا الكلام إهانة بموضع الشافعيّ ، وفرضه فيمن لا يُعتَدّ بشأنهم .
قلت : لا شكّ أنّ استدلال الشافعيّ هنا ضعيف ؛ إذ كثير من المحرّمات حرّمن المحلّات ، كما في مسألة اللواط يُحَرّم أُخته وأُمّه وبنته على اللاطي ، وكالعقد على المعتدّة والدخول بها ، والزنى بذات البعل .
وحديث « الحرام لا يُحرّم الحلال » وارد فيمن أُحلّ له فرْج ثمّ زنى بأُمّها أو بنتها « 1 » فهو ناظر إلى السابق ، أي الحلال الفعليّ لا الحلال الشأنيّ . ومن الغريب أنّ الشافعيّ هنا أخذ بالقياس مع الفارق .
* * * وهكذا أخذ عليه الذهبيّ ميله إلى مذهب الاعتزال ، وكذا تحامله على معاوية .
أمّا ميله إلى الاعتزال فلأنّه نفى إمكان رؤيته تعالى ، وحمله أخبار الرؤية على العلم لو صحّت « 2 » .
قلت : وهذا من كمال فضله ؛ حيث حكّم العقل على النقل ، وهو دأب المحصّلين .
وأمّا تحامله على معاوية فمن ثبات عقيدته وصلابته في دينه . إنّ معاوية بغى على إمام زمانه وخرج عليه بالسيف ، فعلى كلّ مسلم منابذته والتحامل عليه بالسيف ، فضلًا عن اللسان والسكوت في ذلك مراوغة خبيثة .
يقول الذهبيّ : إنّنا نلاحظ على الجصّاص أنّه تبدو منه البغضاء لمعاوية ، ويتأثّر بذلك في تفسيره ، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى :
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
- إلى قوله -
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ »
« 3 » يقول :
وهذه صفة الخلفاء الراشدين الذين مكّنهم اللّه في الأرض . . . وفيه الدلالة الواضحة على صحّة إمامتهم ؛ لإخبار اللّه تعالى بأنّهم إذا مُكّنوا في الأرض أقاموا بفروض اللّه عليهم ، وقد
هامش
( 1 ) - . راجع : العروة الوثقى ، المسألة 28 من أحكام المصاهرة .
( 2 ) - . أحكام القرآن للجصّاص ، ج 3 ، ص 4 - 5 .
( 3 ) - . الحجّ 39 : 22 - 41 .