وبعد فتلك محاورة رشيقة دارت بين كبار الصحابة في فهم آية تشتمل على حكم شرعيّ عامّ ، وقد فهمه البعض خاصّا ، لكنّه رجع بعد التفاهم والحوار . .
قال الذهبيّ : مثل هذا الخلاف كان يقع مع الصحابة حسبما يفهمه كلّ منهم في النصّ القرآنيّ ، وما يحيط به من أدلّة خارجيّة . ومع هذا الاختلاف فقد كان كلّ واحد من المختلفين يطلب الحقّ وحده ، فإن ظهر له أنّه في جانب من خالفه رجع إلى رأيه وأخذ به « 1 »
وهكذا لمّا رفعت امرأة إلى عمر وكانت قد ولدت لستّة أشهر ، فهمّ عمر أن يرجمها لولا أن تداركها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقال : إنّ لها عذرا في كتاب اللّه ، يقول تعالى :
« وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ »
« 2 » . وقال :
« وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً »
« 3 » . .
فإذا كان الفصال - وهي مدّة الرضاع - عامين ، فالباقي للحمل ستّة أشهر . . فاقتنع عمر بذلك وخلّى سبيلها « 4 » . . ثمّ قال : اللّهمّ لا تُبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب « 5 » . .
ومثل هذا الحادث وقع لعمر مع ابن عبّاس أيضا . . قال ابن عبّاس : فاستراح عمر إلى قولي « 6 » .
هكذا يؤثّر التفاهم حيث كان نزيها ! .
2 . وبعد أن ظهرت المذاهب الفقهيّة
وعلى هذا المنوال جرت سيرتهم في مسائل الخلاف ، والتي كانت تنتهي إلى الوفاق في نهاية المطاف . .
هامش
( 1 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 433 .
( 2 ) - . البقرة 233 : 2 . وفي سورة لقمان ( 31 ) : 14 : « وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ».
( 3 ) - . الأحقاف 15 : 46 .
( 4 ) - . سنن البيهقيّ ، ج 7 ، ص 442 باب ما جاء في أقلّ الحمل ؛ المصنّف لعبد الرزّاق ، ج 7 ، ص 279 - 281 ( باب ( 335 ) التي تضع لستّة أشهر ) .
( 5 ) - . كما في لفظ سبط ابن الجوزيّ . وفي لفظ النيسابوريّ والحافظ الكنجيّ : فصدّقه عمر وقال : لولا عليّ لهلك عمر . راجع : الغدير ، ج 6 ، ص 133 .
( 6 ) - . الدرّ المنثور ، ج 7 ، ص 442 ؛ المصنّف ، ج 7 ، ص 281 .