فقال أبو موسى : فدعنا من قول عمّار ، كيف تصنع بهذه الآية ( المائدة : 6 ) ؟ ! فما درى عبد اللّه ما يقول ! ثمّ قال : إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرَد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمّم . . قال شعبة - راوي الحديث عن شقيق بن سلمه - : قلت لشقيق : فإنّما كره عبد اللّه لهذا ؟ قال : نعم !
قلت : وهذا يعني أنّه أخذ بالقياس والاستحسان وترك الأخذ بعموم النصّ بل صريحه في المحدث والمجنب كلاهما يتيمّمان إذا فقدا الماء ! !
ولا أظنّ ابن مسعود بقي على رأيه ، بل رجع إلى عموم القرآن كما قال ابن حجر « 1 » .
بل وهذا الذي تحاشاه وتحذّره ابن مسعود - إن صحّت الرواية - نرى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحذّره ، بل أجازه . . ذكر البخاريّ أنّ عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمّم وتلا :
« وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً »
« 2 » . فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم يُعنِّف « 3 » . .
ولعلّ عمر أيضا رجع عن رأيه بعد أن وضحت له صراحة القرآن في الشمول . .
ولا سيّما ولم نجد أحدا شايعه في ذلك لا من الصحابة والتابعين ولا من الفقهاء . . بل إجماع المسلمين على أنّ التيمّم يقوم مقام الوضوء والغسل كما قال الجزيريّ « 4 » .
* * *
هامش
( 1 ) - . قال : جاء عنه أنّه رجع عن الفتيا بذلك فتح الباري ، ج 1 ، ص 387 .
( 2 ) - . النساء 29 : 4 .
( 3 ) - . أي لم يلُمه ولم يُشدّد عليه . والرواية ذكرها ابن حجر وفيها : أنّه لمّا قصّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قصّته واستناده إلى الآية ، ضحك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل شيئا المصدر نفسه ، ص 385 .
( 4 ) - . الفقه على المذاهب الأربعة للجزيريّ ، ج 1 ، ص 150 . وذكر حديث عمران بن حصين : أنّ رسول اللّه رأى رجلًا معتزلًا لم يصلّ مع القوم ، فقال : ما يمنعك يا فلان أن تصلّي في القوم ؟ فقال : يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أصابتني جنابة ولا ماء ! فقال : عليك بالصعيد فإنّه يكفيك . رواه مسلم والبخاريّ ، ج 1 ، ص 94 وأحمد ، ج 4 ، ص 434 .