موضعه من ذلك ، أو يجعل ذلك داعية لعقيدته أو سلوكه ، وهو - في الأغلب - يعلم أن لا مساس للآية بذلك ، وإنّما هو تحميل عليها .
والعمدة : أنّه لم يَرُم فهم معنى الآية وتفسيرها الواقعيّ ، وإنّما رام دعم مذهبه وعقيدته بأيّ وسيلة كانت ، ومنها الآية إن وافق التقدير .
فهذا تحميل على الآية ، وليس تفسيرا لها ، ومن ثمّ فليتبوّأ مقعده من النار .
روى أبو جعفر الصدوق بإسناده إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : قال اللّه عز وجل : « ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي » « 1 » .
وروى أبو جعفر الطبريّ بإسناده عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : « من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » « 2 » .
إذن فمن سلك طريقة العقلاء في فهم الكلام ، واعتمد الدلائل والشواهد ، وراجع أقوال السلف الصالح ، ثمّ أعمل نظره في فهم كلام اللّه ، لم يكن مفسّرا بالرأي ، لا مستبدّا برأيه ولا مُحمِّلًا برأيه على القرآن الكريم ، والعصمة باللّه سبحانه .
تنوّع التفسير الاجتهاديّ
وممّا يجدر التنبّه له ، أنّ التفسير الاجتهاديّ المبتني على إعمال الرأي والنظر ، يتنوّع تنوّعا حسب مواهب المفسّرين وقدراتهم العلميّة والأدبيّة ، ومعطياتهم في العلوم والمعارف ؛ إذ كلّ صاحب فنّ وعلم إنّما يجعل من صناعته العلميّة وسيلة لفهم القرآن ، وينظر إليه من الزاوية التي كانت مقدرته متركّزة عليها ، ومن ثمّ تختلف براعة كلّ مفسّر عن غيره ، في الجهة التي كانت قدرته العلميّة أبرع وأمتن . فصاحب الأدب الرفيع ، إنّما يفوق غيره في براعته الأدبيّة في التفسير ، وهكذا صاحب الفلسفة والكلام والفقه واللغة ، وحتّى صاحب العلوم الطبيعيّة والرياضيّات والأفلاك ، ونحو ذلك . فكلّ صاحب مهنة إنّما يبرع في عمله ، إذا خاض التفسير من جهة صناعته ، ومن زاوية اختصاصه ،
هامش
( 1 ) - . الأمالي للصدوق ، ص 6 ، المجلس الثاني .
( 2 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 27 .