ومن ثمّ تجب معرفة حدود « التفسير بالرأي » والوقوف على ثغوره ، وجوانبه وأبعاده ؛ لغاية الاجتناب عنه .
ونحن قد أوفينا الكلام حول مسألة « التفسير بالرّأي » « 1 » ويتلخّص في أنّ الممنوع منه هو ما كان بأحد وجهين :
1 . الاستبداد بالرأي في تفسير كلامه تعالى ، فيعتمد ما حانت له نظرته الخاصّة ، غير مبالٍ بما قاله العلماء من قبله ، فيعمد إلى تفسير آية ، اعتمادا على ما فهمه من لغة وأدب مجرّد ، من غير مراجعة لأقوال السلف ونظراتهم وتوجيهاتهم ، والمسالك التي سلكوها في فهم الآية ، وربّما كانت قرائن ودلائل حافّة ، لا ينبغي التغافل عنها . من ذلك معرفة أسباب النزول ، وشرح الحوادث المقارنة لنزول الآية ، والمناسبة التي استدعت نزولها ، وكذا المأثور من كلام النبيّ والصحابة الأوّلين ، ممّا يعين على فهم كلام اللّه النازل على رسوله . وإنّما يعرف القرآن من خوطب به ، فإغفال ذلك وإعفاء الآثار والدلائل المكتنفة ، حياد عن طريقة العقلاء في فهم الكلام ، فضلًا عن كلامه تعالى ، ومن استبدّ برأيه هلك ، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
وأيضا فإنّ علم التفسير ، علم انحدر من نقطة أُولى ثمّ توسّع وتنوّع ، كسائر العلوم التي ورثتها البشريّة من أسلافها العلماء . ولا ينبغي لعالم أن يُعفي ما حقّقه الأسلاف ، وليس له أن يبدأ بما بدأ به الأوّلون ، وإلّا لم تكن العلوم لتزدهر وتتوسّع مع اطّراد الزمان .
والخلاصة : إنّ مراجعة الدلائل والشواهد القرآنيّة ، إلى جنب أقوال السلف وآرائهم ، شرط أساسيّ في معرفة كلام اللّه ، فمن استبدّ برأيه من دون مراجعة ذلك ، هلك وأهلك .
وهذا معنى الحديث الوارد : « من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » « 2 » فلو فرض أنّه ربّما أصاب الواقع صدفة ، لكنّه قد أخطأ الطريق التي تُؤمّن عليه الإصابة لدى العقلاء .
2 . أن يعمد إلى آية فيحاول تطبيقها على رأيه - مذهب أو عقيدة أو سلوك - ليبرّر
هامش
( 1 ) - . عند البحث عن صلاحيّة المفسّر في الجزء التاسع ، ص 49 - 74 ؛ وما كاد يزلّه لو لم يتحذّر .
( 2 ) - . منية المريد للشهيد الثاني ، ص 216 - 217 .