تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
مثلًا نراه عند قوله تعالى :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
« 1 » يقول : وتأويل « سواء » : معتدل ، مأخوذ من التساوي ، كقولك : متساوٍ هذان الأمران عندي ، وهما عندي سواء ، أي هما متعادلان عندي . ومنه قول اللّه - جلّ ثناؤه - :
« فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ »
« 2 » يعني : أعلمهم وآذنهم بالحرب حتّى يستوي علمك وعلمهم ، بما عليه كلّ فريق منهم للفريق الآخر . فكذلك قوله :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ »
معتدل عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم : الإنذار أم ترك الإنذار ؛ لأنّهم كانوا لا يؤمنون ، وقد ختمتُ على قلوبهم وسمعهم . ومن ذلك قول عبد اللّه بن قيس الرقيّات :
تعذّبني الشهباء نحو ابن جعفر * سواء عليها ليلها ونهارها
يعني بذلك : معتدل عندها في السير الليل والنهار ؛ لأنّه لا فتور فيه . ومنه قول الآخر :
وليل يقول المرء من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعُورها
لأنّ الصحيح لا يبصر فيه إلّا بصرا ضعيفا من ظلمته . وأمّا قوله :
« أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام ، وهو خبر ؛ لأنّه وقع موقع « أيّ » ، كما تقول : لا نُبالي أقمت أم قعدت ، وأنت مخبر لا مستفهم ، لوقوع ذلك موقع « أيّ » ؛ وذلك أنّ معناه - إذا قلت ذلك - : ما نبالي أيّ هذين كان منك ، فكذلك ذلك في قوله :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ »
لمّا كان معنى الكلام : سواء عليهم أيّ هذين كان منك إليهم ، حسن في موضعه مع سواء أفعلت أم لم تفعل . وقد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع « سواء » وليس باستفهام ؛ لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال : أزيدٌ عندك أم عمرو ، مستثبت صاحبه أيّهما عنده ، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر ، فلمّا كان قوله :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ »
بمعنى التسوية ، أشبه ذلك الاستفهام ، إذ أشبهه في التسوية ، وقد
هامش
( 1 ) - . البقرة 6 : 2 . ( 2 ) - . الأنفال 58 : 8 .