يوسف ، فعبّرها له خير تعبير ؛ فكان ذلك سبب نجاته من السجن ، وقول امرأة العزيز :
« الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ » .
وأغلب الظنّ عندنا أنّ هذا من الإسرائيليّات ، فقد صوّرت سجن يوسف على أنّه عقوبة من اللّه لأجل الكلمة التي قالها ، مع أنّه عليه السلام لم يقل هجرا ، ولا منكرا ، فالأخذ في أسباب النجاة العاديّة ، وفي أسباب إظهار البراءة والحقّ ، لا ينافي قطّ التوكّل على اللّه تعالى . والبلاء للأنبياء ليس عقوبة ، وإنّما هو لرفع درجاتهم ، وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم ، في باب الابتلاء . وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل » .
وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا مرفوعا ، فقال : حدّثنا ابن وكيع قال : حدّثنا عمرو بن محمّد ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس مرفوعا ، قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قالها ، ما لبث في السجن طول ما لبث ، حيث يبتغي الفرج من عند غير اللّه » .
ولو أنّ هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا ؛ لكان للمتمسّكين بمثل هذه الإسرائيليّات التي أظهرت سيّدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة ، ولكنّ الحديث شديد الضعف ، لا يجوز الاحتجاج به أبدا .
قال الحافظ ابن كثير : « وهذا الحديث ضعيف جدّا « 1 » ؛ لأنّ سفيان بن وكيع - الراوي عنه ابن جرير - ضعيف ، وإبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا ، وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلًا عن كلّ منهما ، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل « 2 » ، ولو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن ، واللّه أعلم » « 3 » . وقد تكلّف بعض المفسّرين للإجابة عمّا يدلّ عليه هذا
هامش
( 1 ) - . الضعيف جدّا لا يحتجّ به لا في الأحكام ولا في الفضائل ، فما بالك في مثل هذا ؟
( 2 ) - . لأنّ المرسل احتجّ به بعض المحدّثين إذا تضافر أمّا في مثل هذا الذي فيه إدانة بعض الأنبياء ، وإلقاء اللوم عليه فلا .
( 3 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 479 .