وقد قال اللّه تعالى :
« وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ »
يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها
« فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
« 1 » ، وما كان للّه لم يقطع .
فأعجب المعتصم هذا الاستنتاج البديع ، وأمر بالقطع من الأشاجع « 2 » .
انظر إلى هذه الالتفاتة الرقيقة ، يجعل من آية المساجد ، بتأويل ظاهرها ( هي المعابد ) إلى باطنها ( الشمول لما يُسجَد به ، أي يتحقّق به السجود ) ، منضمّة إلى كلام الرسول في بيان مواضع السجدة ، يجعل من ذلك كلّه دليلًا على تفسير آية القطع وتعيين موضعه ، بهذا النمط البديع .
وقد استظهر عليه السلام من الآية أنّ راحة الكفّ ، وهي من مواضع السجود ، كانت للّه ، فلا تشملها عقوبة الحدّ التي هي جزاء سيّئةٍ ، لا تحلّ فيما لا يعود إلى مرتكبها ، فإنّ راحة الكفّ موضع السجود للّه .
* * * وللأُستاذ الذهبيّ - هنا - محاولة غريبة يجعل من التفسير بالرأي قسمين : قسما جائزا وممدوحا ، وآخَر مذموما غير جائز . وحاول تأويل حديث المنع إلى القسم المذموم .
قال : والمراد بالرأي هنا الاجتهاد ، وعليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد ، بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم في القول ، ومعرفته للألفاظ العربيّة ووجوه دلالتها ، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهليّ ، ووقوفه على أسباب النزول ، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن ، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسِّر .
قال : واختلف العلماء قديما في جواز تفسير القرآن بالرأي ، فقوم تشدّدوا في ذلك ولم يجيزوه ، وقوم كان موقفهم على العكس فلم يروا بأسا من أن يفسّروا القرآن باجتهادهم ، والفريقان على طرفي نقيض فيما يبدو ، وكلّ يعزّز رأيه بالأدلّة والبراهين .
هامش
( 1 ) - . الجنّ 18 : 72 .
( 2 ) - . تفسير العيّاشيّ ، ج 1 ، ص 319 - 320 .