كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تتّقي زجرا . قال الطبرسيّ : وهذا يخالف الظاهر الذي عليه أكثر المفسّرين من غير ضرورة تدعو إليه « 1 » .
وللزمخشريّ هنا كلام يُشبه تفسير مجاهد ، في دقّة أدبيّة لطيفة . قال : قوله تعالى :
« كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
خَبَران ، أي كونوا جامعين بين القرديّة والخُسوء ، وهو الصَغار والطرد « 2 » .
ومن ثَمّ قال المولى جمال الدين أبو الفتوح الرازيّ - من أعلام القرن السادس - :
مجاهد گفت : معنى آن است « أذلّاء صاغرين » ذليل ومهين . ودر اين عظتى وعبرتي است آنانرا . . « 3 » .
قال الإمام الرازيّ ( 544 - 606 ه . ) : إنّ ما ذكره مجاهد - رحمه اللّه - غير مستبعد جدّا ، لأنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البيّنات ، فقد يقال - في العرف الظاهر - : إنّه حمار وقرد . وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة ، لم يكن في المصير إليه محذور البتّة « 4 » .
قلت : ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى - في سورة المائدة - :
« مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ »
« 5 » . بدليل عطف
« وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ »
، وكذا عطف
« الْخَنازِيرَ »
. وهذان لم يأت ذكرهما في سائر القرآن ؛ فيكون المعنى : أنّ من شديد العقوبة أن يتحوّل الإنسان من شموخ كرامته واعتلاء شرفه ، إلى سافل مبتذل يحمل سمات القردة والخنازير ، مُهانا لئيما ، يرضخ للطواغيت رضوخ الذليل الحقير .
* * *
هامش
( 1 ) - . مجمع البيان ، ج 1 ، ص 129 ؛ راجع : تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 263 ؛ تفسير مجاهد ، ص 75 - 76 .
( 2 ) - . الكشّاف ، ج 1 ، ص 147 .
( 3 ) - . روض الجنان ، ج 1 ، ص 217 .
( 4 ) - . التفسير الكبير ، ج 3 ، ص 111 .
( 5 ) - . المائدة 60 : 5 .