قبلها إلّا طمسته وعملت في إمحائها عن صفحة الوجود ، عملًا مستمّرا طول أحقاب ، بحيث أنست كلّ معالم التاريخ وآثار المدنيّة العظيمة والتي شيّدتها الحكماء والنبلاء من ذي قبل .
وفي العهد الساساني قامت حركة لإحياء التراث القديم ، ولكن من غير جدوى وبعد عهد طويل . وإنّما هي مقتطفات من أفواه الرجال وفيها الكثير من التحريف والتحوير ، فهي بأن تكون صورة ممسوخة ، أشبه منها أن تكون حقائق ناصعة .
تلك كانت مغبّة أجرام قام بها الإسكندر وأخلافه ( السلوكيّون ) حوالي قرن ، ومن بعدهم ( الأشكانيّون ) طيلة خمسة قرون ، حتى جاء دور الساسانيين ليقوموا بإحياء التراث القديم من جديد .
الأمر الذي جعل صفحة التاريخ خلوا من ذكر تلكم الآثار الجليلة والتي كان من حقّها الخلود مع الأبد .
وحتى أنّ أبناء الفرس لم يكد يعرف منهم شيئا من جلائل آثار كورش وأعقابه ، فضلًا عن غيرهم من عرب الجزيرة .
وأمّا أنّ كورش نفسه ، لِمَ لَمْ يذكر ضمن مفاخره بناء ذلك السدّ العظيم ، فالأمر أيضا واضح ، بعد أن علمنا أنّ بناء السّدّ كان من أخريات أعماله الضخمة ، والذي كان حتفه فيه ولم يمهله الأجل لتسجيله ، كما سجّل غيره من أعمال . . .
والعمدة في التدليل على عمليّة السدّ على يد كورش ، ما ذكره الأستاذ خضر بهذا الشأن ، قال :
« وقد رأينا خلال السرد التاريخي أنّ القبائل المغوليّة كانت لا تتكاسل عن الانقضاض على مناطق آسيا الغربيّة خلال القرن السادس قبل الميلاد . وكلّ صفحات التاريخ تذكر لنا أن ثمّة توقّف مفاجئ حدث في عمليّة تدفّق هذه القبائل البدائيّة المتوحّشة . وتشير أصابع الدقّة التاريخيّة نحو الحقبة التي ظهر فيها كورش الأخميني أو
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 555
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٥٥٥