ومن ثمّ عاملهم نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله معاملة أهل الكتاب ، وقال : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » . « 1 » وعن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام : « إنّي أعلم ما عليه المجوس ، عندهم شريعة يعملون بها ، وكتاب يؤمنون به . فعاملوهم معاملة أهل الكتاب . . . » . « 2 »
* * * بقي هنا سؤال : كيف يُثني رجل التوحيد على آلهة عُبّاد الوثن - كما عرفت في منشور بابل - لو كان كورش ذلك العبد الصالح ( ذا القرنين ) الذي يصفه القرآن ؟ !
لكن يجب أن لا ننسى أنّ رجال الحكمة يرون الإنسان - على مختلف شعوبه - إنّما يرنو بفطرته الذاتيّة إلى خالقه المتعالي ، هادفا ذلك الجمال الأوفى ، حتى ولو اختلفت التعابير وتنوّعت الأساليب :
عباراتُنا شَتّى وحُسْنُك واحدٌ * فكلٌّ إلى ذاك الجمال يُشيرُ
وحتّى الوثني إنّما يهدف الزلفى إلى اللّه تعالى ، وقد جعل الوثن رمزا يهديه إلى ذلك المقصد الأعلى والمطلوب الأوفى ، قالوا :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » !
« 3 »
ومن ثمّ نرى كورش عند مايتكلّم مع بني جلدته وفي أوساط توحيدية خالصة ، يذكر الإله تعالى ويصفه بأسمى تمجيد :
« آهورامَزْدا » يعني الخالق الحكيم ، ربّ العالمين ، ربّ السماوات والأرض ومدبّرهما . « 4 »
وهو عندما يعلن بمشروعه الفخيم بشأن إطلاق سراح بني إسرائيل والتعبئة لإعادة بناء القدس الشريف وإحياء معالم دين اليهود المتمزّق ، نراه يعبّر عنه سبحانه ب - « يهواه » على حدّ تعبير اليهود أنفسهم ، يريدون ذاته المقدّسة ، خالق السماوات والأرض ومدبّرهما . « 5 »
وهو كذلك عندما يصف الإله المتعالي بلسان البابليين ، لكنّه يصفه وصفا لا ينطبق إلّا
هامش
( 1 ) - رواه البيهقي في السنن الكبرى ، ج 9 ، ص 189 - 190 .
( 2 ) - روى البيهقي قريبا منه ، ج 9 ، ص 188 - 189 ؛ وراجع : كتاب الخراج لأبييوسف ، ص 129 .
( 3 ) - الزمر 3 : 39 .
( 4 ) - تاريخ جامع أديان ، ص 456 - 457 .
( 5 ) - إيران باستان ، كتاب 2 ، كورش ، لحسن پيرنيا ، ج 2 ، ص 401 .