طريقة الخطابة في البيان . وبعضهم أجاز كونها تمثيلات مجرّدة تقريبا للمطالب إلى الأذهان . . . ولعلّ هذا إفراط بشأن القرآن !
يقول محمد أحمد خلف اللّه : القرآن يجري في فنّه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيّل ، لا على ما هو الحقيقة العقليّة ، ولا على ما هو الواقع العملي . فهو حينما يتحدّث عن الجنّ وعن عقيدة المشركين فيهم وأنّهم يستمعون إلى السماء ليعرفوا أخبارها ثمّ يقومون بعد ذلك بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة ، وكان الكهنة يدّعون الاطلاع على الغيب ومعرفة الأسرار في كلّ ذلك يجرى على هذا المذهب .
جاء في تفسير الرازي عند تفسيره لقوله تعالى :
« إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ »
« 1 » ما يلي : « وأمّا تشبيه هذا الطلع برؤوس الشياطين ففيه سؤال ، لأنّه قيل إنّا ما رأينا رؤوس الشياطين ، فكيف يمكن تشبيه شيء بها ؟ وأجابوا عنه بوجوه ، الأوّل - وهو الصحيح - : أنّ النّاس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة ، واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند تقرير الكمال والفضيلة في قوله
« إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ »
« 2 » فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة » . « 3 »
وجاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى :
« لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ »
« 4 » ما يأتي : « لا يقومون إذا بُعثوا من قبورهم إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان أي المصروع . وتخبّط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع . والخبط : الضرب على غير استواء ، كخبط العشواء . فورد ما كانوا يعتقدون .
والمسّ : الجنون ، ورجل ممسوس ، وهذا أيضا من زعماتهم وأنّ الجنّي يمسّه فيختلط عقله ، وكذلك جُنّ الرجل ، ضربته الجنّ . ورأيتهم لهم في الجنّ قصص وأخبار
هامش
( 1 ) - الصافّات 64 : 37 - 65 .
( 2 ) - يوسف 31 : 12 .
( 3 ) - التفسير الكبير ، ج 26 ، ص 142 .
( 4 ) - البقرة 275 : 2 .