حكاية حال واقعة . . . بيانا لفطرة الإنسان على التوحيد :
الإنسان ، في جبلّته مفطور على الإقرار بالتوحيد . كما في الحديث المستفيض عن النبي صلى الله عليه وآله : « كلّ مولود يولد على الفطرة . . . » . « 1 » وهو المعني أيضا بقوله تعالى :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » .
« 2 » وهكذا قوله تعالى :
« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ
أن لا
تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » .
« 3 » إشارة إلى العهد المودع في فطرة الإنسان . وكلّ إنسان إذا راجع ضميره وجد هذا العهد جليّا بأسطره الواضحة . ومن ثمّ صرّح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأنبياء إنّما بُعثوا ليثيروا دفائن العقول ، « 4 » فدلائل التوحيد لائحة في عقول بني الإنسان لولا تراكم الغبار عليه .
وهكذا كانت العقول حجج اللّه الباطنة ، وكان الأنبياء الحجج الظاهرة جاؤوا لدعم العقول . « 5 » قال الإمام الكاظم عليه السلام : « إنّ اللّه تبارك وتعالى أكمل للنّاس الحجج بالعقول » . « 6 »
وهذا هو العهد الذي عاهد اللّهُ الإنسان عليه ، معنيّا به الفطرة التي فطر الناس عليها .
كناية عن العقول التي ركّبت في ذوات الأنفس .
أمّا ما حسبه البعض من إرادة « عالم الذرّ » - حسبما جاء في بعض التفاسير - وأنّ اللّه أخرج ذرّيّة آدم من صلبه وأشهدهم على ربوبيّته . . . فهذا شيء لا مساس له بالآية الكريمة . ولا كانت الآية مشيرة إليه ، بل ومنافاته مع ظاهر التعبير ، حيث قوله تعالى :
« مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ »
، وليس من ظهره فحسب .
القصّة في القرآن حقيقة واقعة
سبق أن نبّهنا أنّ القصّة في القرآن هي حكاية عن أمر واقع ، كانت تجربة مرّت على حياة الإنسان ، إن زاهية أو مريرة ، لغرض الاعتبار بها ، ولا اعتبار بما فرضه الوهم أو
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 281 ، رقم 22 ، عن غوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 35 ، رقم 18 .
( 2 ) - الروم 30 : 30 .
( 3 ) - يس 60 : 36 - 61 .
( 4 ) - في أولى خطبة من نهج البلاغة .
( 5 ) - راجع : الكافي ، ج 1 ، ص 16 حديث هشام .
( 6 ) - المصدر : ص 13 .