وجود عالم الغيب وراء عالم الشهود . لكن هل بإمكان العائشين على الأرض التغلّب والسيطرة ( تسخير ) تلك الكائنات المنبثّة وراء ستار الغيب ؟ وقد دلّت الشواهد على أنّهم أعجز من ذلك ، اللّهمّ إلّا بعض الإيحاءات الخبيثة تلقيها الشياطين على شاكلتهم في الأرض
« إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » .
« 1 » فهم الذين وقعوا في فخّ الشياطين وحسبوا أنّها مسخّرة لهم ، يا لها من مهزلة تنبؤك عن سفاهةٍ في ذوي العقول الضعيفة . وقد استوفينا الكلام عن ذلك في رسالة كتبناها عن الأرواح .
وبعد ، فإذ لم تثبت حقيقة للسحر بمعنى التأثير في قلب الطبيعة وتسخير الكائنات ، نعم سوى تمائم هي نمائم ووساوس ينفثونها لفكّ العُقَد وفَصْم الروابط والأواصر بين المتحابّين ،
« وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » .
« 2 » ومن ثَمَّ لا تأثير لدسائسهم في نفوسٍ متّكلةٍ على اللّه قويمةٍ بعنايته تعالى
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » .
« 3 » فكان ما تعلّموه ضرر عليهم ولا ينفعهم شيئا . الأمر الذي جعلهم عَجَزة ومساكين وعائشين على فضلة الأثرياء أو الضعفاء الأغنياء . قال تعالى بشأنهم :
« وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى » .
« 4 »
وهذا طابعٌ وسَمَهم به القرآنُ الكريم . حيثُ يقولُ - مُوَجِّها خطابَه إلى المشركين في زعمهم أنّ النبي جاء بسحر - :
« أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ » .
« 5 » دليلًا على أنّ الذي جاء به نبيّ الإسلام لا صلة له بالسحر ، حيث قد توفّق في تبليغ دعوته والتأثير بشريعته تأثيرا في واقع الحياة . الأمر الذي لا يتلاءم وسحر السحَرَة غير المفلحين ولا موفّقين في مسيرتهم المنحرفة بل مكدودين عاجزين أذلّاء ومساكين حُقَراء .
هذا هو منطق القرآن ونظرته القاطعة بشأن السحر والسَحَرة ، لاواقع له ولا تأثير خارج إطار الدسائس الخبيثة . وأن لا قدرة لساحرٍ ولا هيمنة على سكّان الأرض السفلى
هامش
( 1 ) - الأنعام 121 : 6 .
( 2 ) - البقرة 102 : 2 .
( 3 ) - الحِجر 42 : 15 ؛ الإسراء 65 : 17 .
( 4 ) - طه 69 : 20 .
( 5 ) - يونس 77 : 10 .