قال الإمام الجصّاص : ومتى اطلق السحر فهو اسم لكلّ أمر مموّهٍ باطل لا حقيقة له ولا ثبات . قال اللّه تعالى :
« سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ »
يعني موّهوا عليهم حتّى ظنّوا أنّ حبالهم وعصيّهم تسعى . وقال :
« يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى »
فأخبر أنّ ما ظنّوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنّما كان تخييلًا . وقد قيل : إنّها كانت عصيّا مجوّفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من ادُم « 1 » محشوّة زئبقا وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا وجعلوا آزاجا « 2 » وملؤوها نارا . فلمّا طرحت عليه وحمي الزئبق حرّكها ، لأنّ من شأن الزئبق إذا أصابته [ حرارة ] النار أن يطير . فأخبر اللّه أنّ ذلك كان مموّها على غير حقيقة .
والعرب تقول لضرب من الحليّ مسحور ، أي مموّهٌ على من رآه مسحورٌ به عينه . « 3 »
وهكذا ذهب الإمام محمّد عبده في تفسيره قال - بعد نقل كلام الجصّاص - : فعلى هذا يكون سحرهم لأعيُن الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية ، إذا صحّ الخبر . ويحتمل أن يكون بحيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثّرت في الأعيُن فجعلتها تبصر ذلك . أو بجعل العصيّ والحبال على صورة الحيّات وتحريكها . بمحرّكات خفيّة سريعة لا تدركها أبصار الناظرين . وكانت هذه الأعمال من الصناعات وتسمّى السيمياء « 4 » وهي لغة يونانية تعني الشعوذة والنيرنج . « 5 » هي عبارة عن مزاولة أعمال خفيّة سريعة تتراءى للناظرين أشكالًا على غير واقعها ، وربّما باستعمال موادّ كيمياوية تخفى على الناظرين . « 6 » وهو متعارف حتّى اليوم لغاية إلهاء الناس في مجالس اللهو والسرور ومناسبات الأعياد والأفراح .
قال الزمخشري :
« سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ »
أروها بالحيل والشعوذة وخيّلوا إليها ما
هامش
( 1 ) - جمع أديم وهي الجلدة المدبوغة .
( 2 ) - جمع أَزَج وهو البيت يُبنى طولًا يُشبه الاتُن : مواقد نار الحمّام .
( 3 ) - أحكام القرآن للجصّاص ، ج 1 ، ص 42 - 43 .
( 4 ) - تفسير المنار ، ج 9 ، ص 67 .
( 5 ) - معرَّب نيرنگ . الشَعوذة معرَّب شُعبدة ، كلاهما بمعنى ، وهو نوع من الحِيَل الخفيّة فيها مهارة وسرعة عمل تخطف من أبصار الناظرين وتؤثّر في تخيّلهم .
( 6 ) - قال العلّامة الطباطبائي : وهو السيمياء العلم الباحث عن تمزيج القوى الإرادية مع القوى الخاصّة المادّية للحصول على غرائب التصّرف في الأُمور الطبيعية . ومنه التّصرف في الخيال المسمّى بسحر العيون ، وهذا الفنّ من أصدق مصاديق السحر . الميزان ، ج 1 ، ص 246 .