ابيضاض الوجوه واسودادها
قال تعالى :
« يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » .
« 1 »
قالوا : إنّ في هكذا تعابير إزراء بشأن ملوَّني البشرة ، حيث أصبح ابيضاض الوجه رمزا للفوز والسعادة ، واسوداده رمزا للحرمان والشقاء ! في حين أنّ اللون مهما كان فهو أمرٌ طبيعي لا غضاضة في لونٍ دون آخر . كما لا مساس له بمسألة السعادة والشقاء ولا استيجاب مدح أو قدح . الأمر الذي اخِذَ على القرآن ، حيث استجوابه لمزاعم كانت عند العرب في أمثال هذه التعابير !
لكنّ السواد - في هكذا تعابير قرآنية أو في غيرها - لا يراد به ذات اللون الخاصّ ، وإنّما المراد هو كُدْرة الظلام المعبَّر عنه بالسواد في الاستعمال الدارج ، في مقابلة فلقة الضياء المعبّر عنه بالبياض . كما في قوله تعالى :
« حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » .
« 2 » أي حتّى يبدو فلق الصباح عن ظُلمة الليل .
ونظيره قول الشاعر - وهو عمرو بن أبيربيعة المخزومي - :
إذا اسودّ جنح الليل فلتأت ولتكن * خطاك خِفافا إنّ حرّاسنا أسدا « 3 »
فالاسوداد كناية عن اشتداد ظلام الليل ، وليس المراد ذات اللّون الخاصّ .
فالتعبير باسوداد الوجه كناية عن كدرته كأنّها ظلمة تعتريه على أثر الانقباض الحاصل فيه والتقطيب ، والناشئ من فزع نفسي وسوء وحشته . كما قال تعالى - حكايةً عن حالةٍ نفسيّة رديئة كان يبدو أثرها كظلمةٍ تعلو وجه أحدهم إذا بشّر بالأنثى - :
« وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ » .
« 4 » فهو يحاول كظم غيظه . ولكن بشرة وجهه المُظلمة هي التي تفضحه بما تكنّه نفسه من ألمٍ وسوء حال .
هامش
( 1 ) - آل عمران 106 : 3 و 107 .
( 2 ) - البقرة 187 : 2 .
( 3 ) - كان النصب لضرورة القافية .
( 4 ) - النحل 58 : 16 ؛ الزخرف 17 : 43 .