موسى . وممّا يزيد هذا الأمر وضوحا وجلاءً ما ورد في سورة التحريم ونصّه :
« وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ » .
« 1 » وفي سورة آل عمران :
« إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً » .
« 2 » فلا شكّ أنّ محمدا توهّم أنّ مريم أُخت هارون التي كانت أيضا ابنة عمران ( عمرام ) هي مريم نفسها التي صارت أُمّ يسوع ( المسيح عيسى ) بعد ذلك بنحو ألف وخمسمأة وسبعين سنة . وهذا خطأ جسيم ، لأنّه لم يقل أحد من اليهود أنّ مريم أخت هارون وابنة عمران بقيت على قيد الحياة إلى أيّام المسيح . « 3 »
هكذا وهم تسدال ومن حذا حذوه من المبشّرين ! لكنّه وهم فاحش ، إذ كيف يمكن أن يخفى مثل هذا الفصل البيّن بين موسى والمسيح عليهم االسلام على العرب العائشين في جوار اليهود وبين أظهرهم طيلة قرون ، وكذا مراودتهم مع نصارى نجران والأحباش ، فضلًا عن نبيّ الإسلام النابه البصير ، ليتصوّر من مريم امّ المسيح هي مريم أُخت موسى وهارون !
إذ من يعرف أنّ لموسى وهارون أُختا اسمها مريم ، لا يمكنه الجهل بهذا الفصل الزمني بين مريمين !
ثُمَّ كيف يسكت اليهود - وهم ألدّ أعداء الإسلام - على هذا الخطأ التاريخي الفاحش ولم يأخذوه شنعة على القرآن والإسلام ؟
هذا وقد وقع التساؤل عن هذا التشابه على عهد الرسول صلى الله عليه وآله على ما نقله السيّد رضيّ الدين ابن طاووس عن كتاب « غريب القرآن » لعبد الرحمان بنمحمد الأزدي الكوفي ( من كبار رجال القرن الثالث ) بإسناده إلى المغيرة بن شعبة ، قال : بعثني رسولاللّه صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران ، فقالوا : أرأيت ماتقرأون
« يا أُخْتَ هارُونَ »
، وهارون أخو موسى ، بينه وبين عيسى المسيح بكذا وكذا ؟ قال : فرجعت وذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وآله فقال : ألا أخبرتهم ( أوقلت لهم ) أنّهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم ! « 4 »
هامش
( 1 ) - التحريم 12 : 66 .
( 2 ) - آل عمران 35 : 3 .
( 3 ) - مصادر الإسلام ، ص 102 - 104 ؛ والفنّ القصصي ص 57 - 58 .
( 4 ) - سعد السعود ، ص 221 .